من معتقلات إلى فنادق.. هولندا تحول السجون من عبء مادي إلى دخل | المدى |

من معتقلات إلى فنادق.. هولندا تحول السجون من عبء مادي إلى دخل

تمكنت هولندا من تحويل السجون من عبء مادي إلى مصدر دخل للخزينة، وذلك بتأجيرها لدول أخرى أو شركات حولتها إلى فنادق. كذلك، بدأت أخيراً استقبال طالبي اللجوء هناك.

في شهر أغسطس 2014، وصل نحو 250 سجيناً نرويجياً إلى سجن هولندي. كانت السلطات الهولندية قد أجّرت منشآتها وحراستها للحكومة النرويجية. أقامت السجن الجديد الذي كان سابقاً مصحة نفسية على بعد عشرات الأمتار من سجن معروف في مدينة فين هاوزن القريبة من الحدود الألمانية، وفقاً لـ”العربي الجديد”.

بالرغم من ذلك، فإنّ مئات السجون الهولندية لم تعد تستقبل الخارجين على القانون، بل إنّ بعضها يفتح “زنزاناته” اليوم لينام فيها السائحون، ومن ذلك فندق “هيت آرست”، أي الاعتقال، في جنوب شرق البلاد. هناك جرى تحويل غرف السجن وزنزاناته وفنائه الداخلي إلى غرف وأجنحة فندقية ومطاعم. كلفة الليلة الواحدة في الغرفة العادية تتجاوز 130 يورو. أما “جناح القاضي” أو “السجان” أو “المدير” فكلفته أكبر. المبنى الذي أنشئ عام 1863 بقي يستخدم كسجن حتى عام 2007، قبل أن تحول شركة فنادق 105 زنزانات فيه إلى 40 غرفة وجناحاً.

سياسات التقشف وترشيد الإنفاق دفعت الحكومة إلى إغلاق عشرات السجون دفعة واحدة عام 2014، مما أدى إلى تسريح مئات السجّانين والعاملين في هذا القطاع. إذاً، لم يكن السبب انخفاضاً طرأ في معدلات الجريمة. فبينما يكلف السجين الواحد يومياً نحو 145 يورو داخل السجن، من حراسة وطعام ورعاية، بات بإمكان الوسائل التكنولوجية تخفيض تلك التكاليف، ومراقبة المحكوم والحدّ من حركته من خلال قيد إلكتروني يوضع في القدم. وبالتالي، يقضي أصحاب الجرائم والجنح الخفيفة محكومياتهم في منازلهم. وإلى جانب التوفير في النفقات، بات بإمكان الحكومة أن تدخل إلى الميزانية العامة بضعة ملايين من اليورو مقابل تأجير السجون، كما هو الحال مع الحكومة النرويجية، أو حتى مع البلجيكية التي استأجرت سجن تيبلرغ مع سجّانيه الهولنديين.

وكان وزير العدل الهولندي الأسبق، فريد تيفن، قد قال أمام البرلمان عقب توقيع الاتفاق مع الحكومة النرويجية إنّ من بينهم مدانين بقضايا جهادية أو سلفية، وإنّ أولئك يخضعون لرقابة ولعزل في السجون الهولندية، ويمنعون من الاحتكاك بغيرهم.

الترشيد في النفقات والقرارات الجديدة المتعلقة باللجوء، وضعت عشرات السجون من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها في الخدمة مرة أخرى، بعد إحالتها على “التقاعد المؤقت”. لكنّ السجون حالياً لم تعد تحوّل إلى الخدمات السياحية أو الفندقية، فقد فتحت كمراكز إيواء لآلاف المهاجرين. وهي مراكز توفر للمهاجرين الطعام والماء والمكان الدافئ للنوم، وفق المعايير المعتمدة في مراكز إيواء أخرى.

يبدو الأمر غريباً بالنسبة لكثيرين، لكنّ السكن في زنزانة سجن سابق، يبقى أفضل حالاً من البقاء في الخيم والمهاجع الجماعية، بحسب اللاجئ السوري محمد، الذي جاء من درعا. يسكن اليوم في سجن “أوفر لون” جنوب هولندا. تنقّل في عدة مخيمات حتى تمكن من الحصول على رخصة الإقامة. يجد في المكان الجديد حيزاً للخصوصية افتقده في غالبية المخيمات. في هذا النوع من مراكز الإيواء يسكن شخص واحد في الغرفة، أو شخصان، وفي حالات نادرة ثلاثة. في المقابل، فإنّ الحدّ الأدنى لإشغال غرفة في مركز إيواء آخر هو أربعة أشخاص. يشغل سجن “أوفر لون” حالياً نحو 800 لاجئ وطالب لجوء، جاؤوا من أفغانستان وإيران وسورية وإريتريا. هو مكان شبه معزول في الغابات، لكنّه يضمّ صالة رياضة وأخرى للإنترنت والكومبيوتر.

وعلى الرغم من التحسينات والإضافات التي أدخلت على تلك السجون، قبل أن تصبح مراكز لإيواء المهاجرين، ومنها إزالة الأبواب السميكة، وجعلها تفتح من الجهتين، بالإضافة إلى فتح الأبواب التي تفصل العالم الداخلي للسجن عن الخارج، فإنّ مظاهر السجن تبقى واضحة. وهو ما يرفع أحياناً من منسوب التوتر والضغط المتولد على الأهل في البلد الأصلي، إن كان بين المهاجرين أنفسهم، أو بين موظفي سلطات ومنظمات اللجوء الهولندية.

أكثر من شخص انتحر هناك، من بينهم شاب عراقي في سجن “آلفين دي راين” في يناير/ كانون الثاني الماضي. كما وقعت عدة محاولات انتحار. ووقعت كذلك مشاجرات بين المهاجرين القاطنين، تدخلت الشرطة لفضها أحياناً. الضغط النفسي قد يكون السبب الرئيسي في انتحار الشاب العراقي، لكن بطء الإجراءات وظروف المعيشة في السجن قد تكون ساهمت في هذا الحادث الأليم، كما اعتبر النائب في البرلمان عن “الاتحاد المسيحي”، جويل فورديفند، خلال جلسة برلمانية ناقشت أوضاع مراكز الإيواء، خصوصاً السجون السابقة.

عدا عن ذلك، لا تختلف ظروف السجن عن أي مركز إيواء آخر. فالإجراءات هي هي، كما أنّ الخدمات والرعاية تقريباً موحدة. الحمامات مشتركة كما المراحيض وغرف غسيل الملابس. ويتقاضى المهاجر أسبوعياً نحو 57 يورو.. كذلك، يعيش الهواجس نفسها.

لا يتوقف تحويل السجون واستخدام فضائها على المكاسب المادية، أو السياحية، ففي تقليد هولندي عريق تنتقل في حالات كثيرة ملكية السجون أو المؤسسات العامة إلى سلطات ومنظمات أخرى، ولأهداف تصل إلى حدّ التناقض مع الغاية الأساسية من بنائها. ومن ذلك سجن “الكونت” في لايدن، الذي بني في القرن الثاني عشر وكان يضمّ ساحة إعدام، لكنّه تحول عام 1955 إلى مكتبة لكلية القانون في “جامعة لايدن”. ومنذ عام 2011 يستخدم كمبنى إداري تابع لشؤون الطلاب تعقد فيه ندوات مختلفة.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد