ومني إلى ذوي الاحتياجات السيئة | المدى |

ومني إلى ذوي الاحتياجات السيئة

سارة مطر – @sarahmatar

في كل تجربة سيئة تنتهي من حياتي ومن قدري، لا يمكن لي أن أتوقف أمامها سوى أسبوعين فقط، بإصرار مني على تحدي الألم والعبث، وكنت مثار اهتمام الزميلات والصديقات، كيف لي أن أروض قلبي وعقلي أن تكون فترة الحزن بهذا القصر، ولم يكن أحد يصدقني أن هذا بسبب تدريب عقلي لا غير، اعتدت على ذلك منذ أول تجربة في حياتي عركتني وعذبتني، وبعدها اكتشفت أن الوقت الضائع من حياتي، كنت الأولى به، كنت الأحق بأن يكون سعيداً وجميلاً وبهياً، ولم أكن أصدق أنني في ذلك العمر البهي المنقضي من حياتي، أني قد عشت عاماً أدفن فيه أيامي واحداً تلو الآخر في مساحات متصاعدة من الضباب والندب والقهر.
عقب تلك التجربة الحمقاء القاتلة التي ارتكبتها في حياتي، استطعت أن أروض مشاعري، أن لا أدع دهشة الفراق تقتلني سواء من امرأة أو رجل، اعتدت أن تكون تجاربي محطة هامة من خبرتي القادمة، ولكن في آخر تجربة مررت بها، زاد الألم عن أسبوعين حتى وصل إلى ثلاثين يوماً، هنا توقفت برهة لأدرك السبب، وما هو الدافع الذي جعلني أتجاوز المدة التي اعتدت عليها، وما هو السبب الحقيقي الذي جعل المدة تطول أكثر، حتى دفعتني للمرض لأيام طويلة، وكنت أتشرب الوجع إلى أقصى ما ينبغي، بعد عدة جلسات مع الذات، وجدت أن هذه التجربة كانت مساحة الإساءة الموجهة لي أكبر من المعتاد، وكان فيها نوع جديد، حينما لا يتوقف الألم على الانكسار فقط، ولكن حينما تتبدل الصورة وتتهمش ويصبح الطرف الآخر دون كرامة، لينكر ثمة أشياء كثيرة كان ملتزماً بإعادتها، لقد طال الألم لأني لم أمر في حياتي برؤية أو مقابلة ممن لا يملكون الكرامة الداخلية لأنفسهم، ولا يهمهم ذلك، لا يهمهم أن تكون صورتهم جيدة، المهم ما حصلوا عليه، البعض للأسف ومن الطرفين سواء أكان رجلاً أو امرأة، يعتقدون أنهم حينما يكونون أذكياء بالنصب عليك، أن هذا أقصى أمانيهم في الحياة، لذا لا يهمهم ما يحدث بعد ذلك، هذا هو سحرهم الأسود، لا يمكن لهم أن يتجاوزوه مطلقاً، لا يؤمنون بحقيقة الكرامة أو الصدق أو الأمانة بالتعامل في العلاقات البشرية.
ربما البعض يجد صعوبة شديدة في رتق جراحاته المنفتحة مبكراً، ويظل يعيش على ذكراها حتى تبقى جزءاً من ذاكرته وسكينته، ولكن الأولى لنا أن نكون صامدين أمام جميع جراحاتنا، وألا تأخذ وقتاً طويلاً، لأنه ثمة أشياء جميلة ستأتي بعدها، وحينها سنلوم أنفسنا على أننا تفرغنا فقط لأحزاننا وللسهام التي طعنا بها، من الضروري ألا نتوقف أمام هذا السحر العجيب من الألم، أن نطور من أنفسنا من مشاعرنا من قدرتنا على التجاوز الحقيقي للأقدار التي وضعنا بها، ونستفيد منها.
إنني أذكر جيداً حينما طال الألم، غضبت جداً من نفسي، لمت عوامات قلبي، شعرت بأن ما حدث أصابني في مقتل، فقط لأن الأمر يتعلق بموضوع الأخلاقيات ومثل لم أعتد عليها، ولأني لم أكن يوماً أتوقع أن أقابلها في حياتي، لطالما اعتقدت أنني ذكية، وأني أمتلك القدرة الكبيرة على أن أتجاوز كل الذين لا يتقنون مهارة أن تكون الأخلاق جزءاً من طوق حياتهم، لكن الحقيقة عكس ذلك، لكن بمجرد وعيي بالمشكلة، بدأت هنا أحاول الخروج من الخندق، الأمر لم يكن بهذه البساطة ولكنه أيضاً لم يكن بهذه الصعوبة، كل شيء حزين يمكن له أن يغادرنا، عدا فراق الموت لأحبتنا، فهذا الأمر أظنه يبقى مؤلما حتى نهاية حياتنا.
الخيبات في حياتنا لن تنتهي، ولا نتوقع الكثير من الآخرين، لكننا علينا أن نتوقع الأجمل لأنفسنا، ألا تنتظر الآخرين كي يحسنوا إلى مشاعرنا، الأهم من ذلك أنك تدرك جيداً قيمة نفسك، وقيمة كل ما يمر في حياتك، دائماً روض نفسك على أن أحزانك البائسة لا تأخذ وقتاً طويلاً في أن تكون مريضاً بها ودون أن تضع حداً لها.
والقادم أجمل دائماً.. صدقوني.


جريدة الكويتية

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد