الديمقراطية والأحزاب الدينية | المدى |

الديمقراطية والأحزاب الدينية

تمارس آليات الديمقراطية ولا تؤمن بمبادئها كملحدٍ يمارس الطقوس الدينية

 منذ بدايات تشكل الدولة المدنية الحديثة بالقرن السابع عشر وهي تقوم على ثلاثة أسس رئيسية: حدود جغرافيا سياسية تحدد كيانها، ومواطنون من سكانها البشر، وقوانين يتساوى أمامها مواطنو الدولة البشر بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو دينهم أو لغتهم.

هذه أسس الدولة المدنية الحديثة وفق مبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتتطلب إدارة الدولة انتخاب من يديرها كفريق حزبي يتشكل وفق تلك الأسس الثلاثة، أي أن أي فريق حزبي ينوي الترشح لإدارة الدولة وحكمها عليه أن يتأسس وفق المواطنة وليس وفق الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو اللون وخلافه، وأي حزب يتشكل لخوض الانتخابات وإدارة الدولة وهو قائم على العرق، مثل الحزب النازي الألماني أو الحزب القومي الديمقراطي أو عصبة الدفاع الإنجليزية أو ‘القوة البيضاء’ الأمريكية أو الطريق الثالث بفرنسا وغيرها من الأحزاب العنصرية بالديمقراطيات العريقة يمنع من خوض الانتخابات لإدارة البلاد، لأنه يقوض الدولة المدنية بفكره ويفجر تعايش فئاتها المختلفة.

هذه المبادئ لم توضع في وجه الأحزاب الدينية الإسلامية فقط، ولم يتم اختراعها وتفصيلها للحيلولة دون وصول الأحزاب الإسلامية للحكم، فقد وضعت قبل ظهور أي من أحزاب الإسلام السياسي التي نراها اليوم، وهي ليست موجهة ضد دين أو قومية أو عرق بعينه، ولكنها قواعد عامة للعملية السياسية الديمقراطية في أي بلد ينشد الديمقراطية.

هذه المبادئ تتناقض مع حكم ‘حزب جمهوري إسلامي’ الذي وصل السلطة بطهران بالانتخاب ثم مسح الآخرين مسحا من الساحة السياسية، وهي ضد وصول حزب الدعوة العراقي، لأنه حزب يقوم على مبادئ طائفية بحتة وتفاسير دينية للسياسة تتناقض تناقضا تاما مع مبادئ الديمقراطية، والمشهد العراقي الدامي خير دليل على ذلك، وتتعارض هذه المبادئ مع فلسفة ‘حزب الله’ السياسية بلبنان وديمقراطية الثلث المعطل! وهي ترفض أن تحكم حماس الشعب الفلسطيني بكل قواه السياسية ومسيحية، مثلما فعلت بغزة ثم ألغت الآخرين، وترفض أيضا أن يقفز حزب الإخوان المسلمين باسم الجبهة القومية الإسلامية السودانية على السلطة عام 1989 ثم تلغي الآخر بالتحالف مع العسكر الذين أقصوهم بعد ذلك.

باختصار، ترفض المبادئ الديمقراطية أن يكون هناك أي حزب يقوم على الدين وحده، لأن ذلك يعني أنه لطائفة واحدة من أهل هذا الدين حسب تفسيرهم له وبالتالي فهو طائفي بالتبعية، ويستثني أهل الأديان والطوائف الأخرى ويفسر الحياة الدنيوية بناء على تفاسير دينية خاصة به يحددها دعاة ومشايخ ذلك الحزب.

إن القول بأن في ذلك إلغاء للدين ولأهله مجاف للحقيقة، فالمبادئ الديمقراطية تضمن بقاء الدين وحريته- كل الأديان وحرية كل العبادة، وترفض استفراد دين واحد بتفسير الحياة الدنيوية وفق تفسيراته الخاصة للدين ومحاولة ترجمتها على الواقع وحياة الناس، وهو الأمر الذي تكرر فشله في أكثر من بلد. بل إنها تقبل استمرار الدعوة لأي دين في أي بلد وتشكيل قوى ضغط انتخابية ولوبيات سياسية تدافع عن حقوق أهل الأديان مهما صغر عددهم.

غالبا ما يضرب دعاة الأحزاب الدينية الإسلامية في عالمنا العربي المثل بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي ليدللوا على مرونة أحزابهم بالتكيف مع المبادئ الديمقراطية، وهو ادعاء غير دقيق، ناهيك عن أنه يتيم، فحزب العدالة والتنمية وصل للسلطة عبر قنوات الديمقراطية الليبرالية العَلمانية التي كانت قائمة ولم يساهم هو بخلقها، أي أنه لم يصل بثورة مثلما جرى بالربيع العربي، بل وصل عن طريق قواعد اللعبة الديمقراطية، وكان – ولا يزال- يكرر علمانيته وتمسكه بتلك القواعد في كل مناسبة، بل حين حاول النكوص عنها يوم كان اسمه حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان ألغي الحزب، بعدما انشق عنه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان وشكلا مع آخرين حزب العدالة والتنمية العلماني الحاكم الحالي.

وعسى أن تسير تونس بطريق ديمقراطي مختلف، فرغم الاغتيالات السياسية المخزية لرموز مدنية كبالعيد والبراهمي، فقد توافق التونسيون بشكل عام – بما في ذلك الإخوان المسلمون (النهضة)- على مسودة دستور عسى أن يكون بداية لتجربة مدنية ديمقراطية حقيقية تقدم نموذجا لإسلام سياسي مختلف قادر على التكيف حقا مع المبادئ الديمقراطية.

للعملية السياسية وفق الليبرالية الديمقراطية قواعد أساسية، وأهمها تنزيه الدين عن السياسة، والسمو بالدين فوق السياسة المتقلبة التي لا تعرف حلالا ولا حراما ولكنها تعرف مصالح متغيرة، بينما بالدين تعاليم إيمانية ثابتة غير قابلة للتغيير والتبديل ولا تعترف بالمصالح الدنيوية البراجماتية على حساب تلك المبادئ العقائدية، والقول بأن عزل الدين عن السياسة أساسها غربي بسبب تسلط الكنيسة التي لا يقابلها تسلط المسجد السياسي عندها، مردود عليه لمغالطته الحقائق، ولا يفسر كيف تشكلت أكبر الديمقراطيات بالهند وواحدة من أنجحها باليابان ونموذج ماليزي محترم وآخر إندونيسي رغم تعثره، فلا تاريخ للكنيسة المتسلطة عند هذه الدول!

تقوم الديمقراطية على آليات ومبادئ، وعلى من يريد الدخول باللعبة السياسية وفقا للمبادئ الديمقراطية أن يلتزم بها، لا أن يستخدم آلياتها للوصول إلى السلطة دون الإيمان بمبادئها ثم الانقلاب عليها وإقصاء الآخرين مثلما فعل الإخوان المسلمون بعد وصولهم للسلطة بمصر عبر آليات الديمقراطية الانتخابية، فالديمقراطية ليست أحزابا وبرلمانا ودستورا وانتخابات وحسب، بل مبادئ للتوافق وللحرية والتعددية وضمان حقوق المعارضة والأقليات والأديان والقوميات الأخرى. وللديمقراطية السياسية عملية لها قواعد محددة، وعلى من يقبل المشاركة بها أن يلتزم بقواعدها وإلا فهو حل منها، أما أن تتذاكى الأحزاب الدينية بالوصول للسلطة عبر الآليات الديمقراطية دون الإيمان بمبادئها، فذاك أشبه بمن يمارس طقوس العبادة الدينية وهو ملحد، ويشبه من يقبل اللعب بمباراة كرة قدم ويصر على تسجيل الأهداف بيده لا بقدمه، فعندها سيطرده الحكم، وهو ما جرى بمصر حين طرد الحكم – أي الشعب المصري – الدكتور محمد مرسي بعد تدميره الممنهج لقواعد اللعبة.

 

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد