ما بعد «الاستفتاء الكردي» على الاستقلال:مفاوضات مع بغداد… أو الانفصال وحروب التقسيم | المدى |

ما بعد «الاستفتاء الكردي» على الاستقلال:مفاوضات مع بغداد… أو الانفصال وحروب التقسيم

الاستفتاء الكردي في إقليم كردستان العراق الذي بلغت فيه نسبة المصوتين بـ «نعم» للاستقلال أكثر من 92%، أدخل العراق في منعطف هو الأبرز والأخطر منذ العام 2003، ويفوق أهمية حدث إعلان تنظيم «داعش» وسيطرته على أجزاء واسعة من العراق.
«داعش» حالة ظرفية شاذة وعابرة كان مقدرا لها أن تنتهي يوما ما، ولم يكن لها من إمكانية ومقومات حياة وصمود ونهايتها كانت مسألة وقت، أما «كردستان» فإنها قضية ومشروع وحلم، قضية تاريخ وجغرافيا، ومشروع وطن ودولة، وحلم عمره 100عام على الأقل.
يسجل للزعيم الكردي مسعود بارزاني الذي لديه حلم تأسيس ورئاسة الدولة الكردية، أنه نجح في اقتناص وتوظيف العناصر والنقاط المساعدة على تنظيم وتمرير الاستفتاء، ومن أبرز هذه العوامل:
٭ اللحظة السياسية المناسبة في الفترة التي دخلت فيها الحرب ضد «داعش» المرحلة النهائية بعدما كانت أولوية المجتمع الدولي، وفي الفترة التي لم تخرج حكومة بغداد بعد من حال الانشغال بهذه الحرب، وما زالت ترزح تحت أعبائها وأثقالها ، وكان بارزاني استفاد من مرحلة «داعش» عندما اشترط على بغداد للمشاركة في الحرب ضد «داعش» بقاء قوات البشمركة في المناطق التي تسيطر عليها والواقعة خارج حدود الإقليم، وهي مناطق متنازع عليها، وأبرزها كركوك.
٭ سيطرة البارزاني على كردستان وتمكنه من جر كل الأكراد الى الاستفتاء كقضية وطنية وخيار تاريخي، وما ساعده على ذلك خلو الساحة الداخلية له نتيجة ضعف القوى المنافسة له: الاتحاد الديموقراطي نتيجة مرض زعيمه جلال الطالباني، وحزب التغيير بسبب وفاة زعيمه المؤسس نوشيروان مصطفى.
٭ الدعم الدولي العسكري والمالي غير المسبوق من الأميركيين والأوروبيين للأكراد بسبب دورهم الفعال في مقاتلة «داعش»، وقبل ذلك بسبب أنهم شكلوا وضعية خاصة حليفة للأميركيين منذ العام 2003 وأدوا دور عامل التوازن على الساحة العراقية بين السنة والشيعة شكل إقليمهم المرتكز الأساسي لمشروع «فيدرلة» العراق.
٭ إصرار بارزاني على الاستفتاء وعدم تراجعه رغم كل الضغوط، ما أدى الى ارتفاع كبير في شعبيته وانجرار الجميع خلف مشروعه القائم على مسار سياسي متدرج وقوة عسكرية (جيش من نحو 300 ألف مقاتل ومجهز بأحدث الأسلحة)، ودعم سياسي خارجي غير واضح بعد ولكنه موجود، إذ لا يعقل أن يكون بارزاني مغامرا وانتحاريا ومندفعا في هذا المشروع من دون دعم وسند خارجي، ولا يمكن لهذا الدعم ان يكون مقتصرا على إسرائيل، ولا بد أن يكون للولايات المتحدة دور ويد.
الاستفتاء حصل وحسم أمره، ولكن ماذا بعده؟ الاستفتاء ليس نهاية المطاف وإنما هو البداية، بداية مرحلة جديدة في العراق والمنطقة ستكون معقدة وخطيرة. الاستفتاء أطلق «مرحلة ما بعد داعش» في الشرق الأوسط، وهذه المرحلة يصعب التكهن بمسارها ومصير الدولة الكردية الموعودة نظرا للتشابك الحاد في خيوط اللعبة الدولية والإقليمية وتضارب المصالح. وبالإجمال هناك مساران وسيناريوهان أساسيان في هذه المرحلة الجديدة:
ـ الأول: أن يقف الأكراد عند هذه الخطوة لهضمها واستيعاب تداعياتها، فيعملون على «تهدئة اللعبة» ونقل الوضع من حال المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات الى حال «المفاوضات» التي يدخلونها مع حكومة بغداد من موقع قوي وأفضل من قبل، بعدما باتت في يدهم «ورقة الاستفتاء» وبات في يد أربيل ورقة التفاوض باسم كل الأكراد وتحت سقف عال هو «الدولة الكردية، وهذا ما يوفر لهم هامش الحصول على تنازلات أساسية من بغداد وتلبية مطالبهم التي لم يحصلوا عليها بسبب عدم التزام حكومات بغداد المتعاقبة بوعودها، وبسبب أن التحالف مع الأكراد لم يعد يشكل حاجة قوية للشيعة كما كان الحال في ظل ذروة الاحتلال الأميركي».
في الواقع شعر بارزاني بوطأة الضغوط والحصار الذي يؤدي بإقليم كردستان الى الاختناق اقتصاديا، وهو الذي لا يملك منفذا بحريا ومطوقا بدول متربصة به من كل الجهات. لذلك، فإنه لم يتباه بالاستفتاء ولم يستقو به وإنما «تواضع» ووضع لنفسه سلم النزول عن الشجرة العالية التي تسلقها الى أرض الواقع بالقول إن الاستفتاء غير الملزم يهدف الى منح تفويض لرئيس الإقليم لإجراء مفاوضات على الانفصال الذي لن يكون «انفصال أمر واقع» وإنما «انفصال بعد المفاوضات على أساس تفاهمات وترتيبات»، متعهدا بأن كردستان لن تكون مصدر تهديد لأحد وستكون عنصر استقرار في المنطقة وعلى حسن جوار مع دول الجوار التي عليها تفهم حقوق الأكراد ووضعهم.
باختصار، فإن بارزاني يعرف أن الاستفتاء لن يقود مباشرة الى الاستقلال، ولذلك كان الهدف طرحه على طاولة المفاوضات مع بغداد.
ـ الثاني: أن يفشل خيار المفاوضات بفعل الشروط والشروط المضادة، كأن ترفض بغداد التفاوض إلا بعد إلغاء الاستفتاء، أو كأن يرفض الأكراد التفاوض إلا بعد رفع إجراءات الحصار الجوي والبحري، ويرفض الجانبان إعطاء تعهدات وضمانات مسبقة، فلا يذهب بارزاني في استعداده الى أكثر من تجميد تنفيذ الاستفتاء من دون التراجع عنه، ولا يذهب العبادي في موقفه الى أكثر من تفاوض مشروط بعدم الانفصال.
وفي حال سقط خيار التفاوض ودخل شمال العراق في أزمات وصراعات وحروب، بدءا من المناطق المتنازع عليها وتنطلق الشرارة من كركوك، المدينة الفسيفساء الغنية بالنفط التي لن يتخلى عنها الأكراد أبدا ولن تتنازل عنها بغداد بسهولة. ويكون مشروع كردستان المستقلة خطوة أولى نحو إعادة رسم حدود الشرق الأوسط بشكل عام على أسس عرقية ودينية.
تنظر بغداد الى الاستفتاء على أنه «محاولة لي ذراع للحكومة المركزية وللعراق برمته شعبا وحكومة»، ويصل الأمر بها الى حد اعتبار الاستفتاء بمنزلة «إعلان حرب»، وتنظر أربيل الى إجراءات الحصار والتضييق ضدها على أنها عملية تأديبية وعقابية بحق الإقليم ورئيسه، وبمثابة إعلان حرب.
في الواقع، رائحة الحرب بدأت تفوح، طبول الحرب بدأت تقرع خصوصا وأن الورقة الكردية في العراق باتت متشابكة مع الورقة الكردية في سورية، حيث نجح الأكراد في إقامة منطقة إدارة ذاتية وبدأوا يطرحون التفاوض على حكم فيدرالي.
وفي انتظار اتضاح وجهة الأحداث وكيفية تطورها، تتجه الأنظار بشكل خاص الى موقف الدولتين المتواجدتين على أرض العراق:
٭ موقف الولايات المتحدة التي ليس مصادفة أن تكون الراعي الأهم لحكومة كردستان العراق، وفي الوقت ذاته، الداعم الرئيس لقوات «سورية الديموقراطية» التي تمثل فيها وحدات حماية الشعب الكردي فصيلا رئيسا، والتي تعول عليها واشنطن في المعارك ضد المتشددين في الشمال السوري.
ثم، إذا أدركنا ملامح الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالمشرق العربي، وأدركنا أن الولايات المتحدة ليست معنية كثيرا بـ «الحق في تقرير المصير»، كما تدعي دائما، لنا أن ندرك ماذا يعني انفصال كردستان العراق، ومن ورائه كردستان سورية، في الدولتين داخليا وإقليميا، في ظل التنوع الديموغرافي والإثني والمذهبي وهو ذاته التنوع الذي لا يغيب عن تركيا وإيران.
وبالتالي، فإن الاحتمال المستقبلي في إطار الصراع على بناء نظام دولي وإقليمي، هو تزايد المشكلات التي سوف تنتج من تلك الخطوة، وانسحابها على رباعية العراق وسورية وتركيا وإيران.
٭ موقف إيران التي ستستفيد من الأزمة الكردية والمواجهة التي فتحت بين بغداد وأربيل لتتحول من جديد الى ضابط إيقاع يتحكم في مجريات الوقائع الميدانية ويرسم انعكاساتها السياسية، وطهران ستحاول على الأرجح احتواء الأزمة بين بغداد وأربيل وفرض تسوية بين الطرفين تتراجع فيها أربيل عن تنفيذ الاستفتاء، وترجئ الانفصال إلى وقت لاحق، في المقابل تتنازل بغداد في كثير من الملفات العالقة بين الجهتين، وذلك من أجل حفظ ماء الوجه للقيادة الكردية أمام شعبها، ولكن، وعكس ما يراه بعض العرب أن استقلال كردستان العراق مسمار في نعش الجغرافيا الإيرانية، فإن تمسك الأكراد في إجراء الاستفتاء أدى إلى شعور الشيعة في العراق بالخوف من خسارة الدولة والدور، والحاجة الى إيران لطمأنتهم وحمايتهم كما فعلت بعد ظهور «داعش».
وبهذا تكون أربيل قد تسببت بضرب كل المصالح الإقليمية في العراق وسمحت لطهران بإعادة تعويم دورها في العراق، وبإعادة ضبط القيادة الشيعية التي بدأت تحاول الخروج من تحت العباءة الإيرانية. وفي خريطة التوزيع الجيوسياسي الجديدة للعراق، قدمت أربيل خدمة مجانية لطهران، فبعودة القبضة الإيرانية على الأطراف السياسية الشيعية والحصار الداخلي والإقليمي للأكراد، تكون أربيل قد تسببت في عرقلة الجهود العربية للعودة الى العراق.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد