المؤسسات الدستورية الأمريكية أقوى من ترامب | المدى |

المؤسسات الدستورية الأمريكية أقوى من ترامب

تعلمنا درساً حاسماً منذ العشرين من يناير 2016، هو أننا لسنا مثل ألمانيا 1933. لقد كان كثير من الأميركيين يخشون من أن ترامب قد يشكل خطراً وجودياً على الديموقراطية الأميركية. لقد كشفت المئة يوم الأولى من رئاسة دونالد ترامب أن المؤسسات والقيم الديموقراطية الدستورية في الولايات المتحدة أصلب وأقوى مما كان ربما يعتقد مستشار ترامب للشؤون السياسية ستيف بانون.
وعلينا أن نكون فخورين للمقاومة التي أبداها المجتمع المدني. فقد خرج المواطنون إلى الشوارع للتظاهر احتجاجاً على الأوامر التنفيذية لترامب، بأعداد قياسية، وتمت مواجهة ممثلي الشعب على المستويات الأدنى من الحكومة، وأرسل الناس ملايين الرسائل الالكترونية الى اعضاء الكونغرس، ونظم المواطنون صفوفهم في جماعات مثل مجموعة «العمل اليومي» التي حشدت طاقات الملايين من الأميركيين الذين رفضوا خطوات وسياسات الرئاسة التي تشكل تراجعاً عن الإرث الديموقراطي في هذه البلاد.

لقد حدث أن تلقى اتحاد الحريات المدنية الاميركي ACLU تبرعات عبر موقعه الالكتروني في يوم واحد، ما يتلقاه عادة في ست سنوات، وقد ازدهرت تجارة المحال التي تبيع الرموز الوطنية كالأعلام وأدوات عمل البوسترات التي رفعها المشاركون في الاحتجاجات السلمية في شتى المدن الاميركية.
كما يجب أن نكون فخورين بالقضاة الفدراليين الذين حاول ترامب التقليل من شأنهم، لأنهم أجمعوا من ماساشوستس الى أصغر جزيرة في المحيط الهادئ على وقف الأوامر التنفيذية لترامب بحظر دخول المسلمين، والذين يمنعون الإدارة الأميركية الآن، من معاقبة المدن التي أصبحت تُعرف بكونها «ملاذات آمنة» للمهاجرين، وذلك بوقف التمويل الفدرالي لها، فهؤلاء القضاة الذين عينهم رؤساء ديموقراطيون وجمهوريون، أظهروا تمسكهم باستقلالية القضاء والحفاظ على القيم الدستورية.

هجمات غير مسبوقة
كما ينبغي لنا جميعاً أن نشعر بالامتنان للعمل العظيم الذي قامت به مؤسساتنا التي تصدت لهجمات غير مسبوقة من أي رئيس أميركي، وعملت بلا كلل لكشف أكاذيب ترامب وتعمده تشويه الحقائق.
فقد وصف مستشار ترامب للشؤون السياسية ستيف بانون، الصحافة الحرة بانها «حزب المعارضة»، لقد كان بانون محقاً في ذلك، اذا كنا نعتقد أن دور المعارضة هو التصدي لسياسات الكذب والتزوير التي تهدف لحرمان الشعب الأميركي من الحقائق الضرورية كي يحكم نفسه بنفسه.

ضبط سلوك الرئيس
ولا بد من الاشادة بالممانعة التي برزت من داخل الحكومة نفسها، فقد سادت حالة من التململ وعدم الارتياح في أوساط عشرات، ان لم يكن مئات الآلاف من الموظفين في مختلف الوكالات والهيئات الأميركية من وكالة المخابرات المركزية إلى هيئة حماية البيئة، ومن البنتاغون إلى وزارة التربية، بسبب سياسات ترامب.
لقد بذل هؤلاء الموظفون جهوداً خارقة لضبط سلوك الرئيس باستخدام الأداتين الأقوى المتوافرتين في حوزتهم، وهما تسريب الأخبار والتعطيل البيروقراطي، فالتسريبات تحديداً، ساعدت في حدوث انقلاب مذهل في تعاطي الإدارة مع روسيا من معاملة بوتين كشريك حميم إلى تهديد عالمي.

شخصية سلطوية
وأخيراً، لا بد من اسداء بعض الفضل إلى الرئيس ترامب نفسه، فقد أظهره عجزه وتناقض مواقفه، وكأنه الحصن الأقوى ضد ترامب! وهناك عوامل أخرى أيضاً، فعلى العكس من ستيف بانون الراديكالي الحقيقي ذي «الرؤية الواسعة» والازدراء المقيت للنخبة، بدا ترامب دائماً كشخصية سلطوية عفوية.
فالخصال التي جلبت له النجاح في تجارة العقار وتلفزيون الواقع وفي حملته الانتخابية، والمتمثلة في قدرة عبقرية على تطوير الذات، والبراعة في تجاهل الحقائق والمشاعر، والقدرة على اغتصاب الآخرين وممارسة البلطجة ضدهم، وهذه كلها صفات جعلت رئاسته في حالة من الفوضى.

تحجيم بانون
وبالإضافة إلى ذلك، فان الرغبة في التزلف والحاجة إلى النجاحات السريعة والبراغماتية العميقة – وحتى العبثية – تعد بان ترامب لن يمتلك الجلد لتنظيرات بانون للتعاطي مع الارهاب، ويمكن فهم قرار ترامب الأخير تحجيم نفوذ بانون ضمن أركان إدارته في هذا السياق.
وهذا لا يعني القول ان الأخطار الشديدة قد اختفت، أو ان اليقظة الدائمة ليست مطلوبة، فسياسات ترامب في مجال البيئة ربما تكون كارثية، وسياسته الخارجية زئبقية، وأحياناً ليست موجودة على الاطلاق، وأحيانا عاجزة عن التعامل مع أخطار حقيقية مثل كوريا الشمالية وإيران وروسيا، ولكن هناك ما يدعو إلى الارتياح خلال المئة يوم الأولى من إدارة ترامب، ولكن الارتياح الذي ينبع من داخل الشعب الأميركي ومؤسساته، وليس من إدارة ترامب.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد