الصراع على النفط يعصف بدولة جنوب السودان | المدى |

الصراع على النفط يعصف بدولة جنوب السودان

خبت الآمال في دولة جنوب السودان، بعد أقل من خمس سنوات على استقلالها عام 2011، فبعد عامين فقط على انفصالها اندلعت فيها الحرب الأهلية التي وصلت إلى حد التحذير من عمليات إبادة جماعية تمارسها اطراف الصراع ضد خصومها. وكان الرئيس أوباما قد عبر في ديسمبر الماضي، عن ندمه من أن حكومته لم تفعل ما يكفي لمعالجة مشكلات هذا البلد، فقد كانت إدارته منقسمة حيال الخطوات التي ينبغي اتباعها، وللأسف هذا الانقسام انتهى لمصلحة مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، الأمر الذي اطال أمد الصراع.
البعض يلقي باللائمة على جشع البعض ومحاولته السيطرة على حقول النفط التي تدرّ مليارات الدولارات، وتشير المبعوثة السابقة للسلام في السودان هيلري جونسون في كتابها بعنوان: «جنوب السودان: القصة غير المروية من الاستقلال الى الحرب الأهلية»، إلى عامل آخر أدى إلى اندلاع الحرب، وهو افتقار القادة السياسيين في هذا البلد الناشئ، والذين هم في معظمهم مقاتلون سابقون، الى المهارات الدبلوماسية الأساسية لحل المشكلات العادية من خلال المفاوضات، كان من الممكن التوصل إلى حل لمشكلات جنوب السودان لولا التنافس على الثروة، ولو تحلىّ القادة السياسيون بالصبر، كما تقول جونسون.

انقسامات قبلية
لقد لاحظ بعض المراقبين في وقت سابق الاداء الباهت للرئيس سيلفا كير، الرجل الغامض والمنعزل وقليل الكلام، والذي يتباطأ في اتخاذ القرارات ويتباطأ أكثر في تنفيذها، ففي عام 2013، أعلن نائبه ريك ماشار نينه الترشح للانتخابات التي كانت مزمعة عام 2015، متجاهلاً نصائح بارجاء طموحه الانتخابي إلى عام 2020، وواصل هو وحلفاؤه توجيه الانتقادات العلنية للرئيس كير، الأمر الذي أثار حفيظته، ولم تكن للخلافات بين الرجلين علاقة بالانقسامات القبلية في البداية، بل أن بعض أوثق حلفاء كير ينتمون إلى قبيلة نوير التي ينتمي إليها ماشار، ولكن بعد تفجر التوترات السياسية، عادت الاحقاد ذات الصلة بالمجازر التي ارتكبتها المجموعات الاثنية بعضها ضد بعض، إلى الظهور ثانية.
وفي الخامس عشر من ديسمبر 2015، أمر الرئيس سيلفا كير الذي كان يخشى انقلاباً عسكرياً ضده، أمر حرس الرئاسة بتجريد أفراد الحرس من قبيلة نوير من أسلحتهم، وتبين ان اشاعات الانقلاب لم تكن صحيحة، ومع ذلك، بدأت قوات كير مداهمات من منزل إلى منزل، وقتلوا الآلاف من أبناء قبيلة نوير العزل، واحرقوا الناس الذين حاولوا الفرار، بعد ان جمعوهم في معازل واضرموا فيهم النيران، وردت حركة تمرد تابعة لماشار بذبح الآلاف من أفراد قبيلة الدينكا من الرجال والنساء والأطفال.

موسيفيني الفاسد
وانشق معظم أفراد جيش دولة جنوب السودان، وانضموا لماشار، فتدخل الجيش الأوغندي لدعم كير، ومحاربة ماشار، حيث رأى الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في كير حليفاً، بينما ماشار خصم، وقد ادى هذا التدخل إلى اطالة أمد الصراع أكثر فأكثر، ذلك الصراع الذي ذهب ضحيته مئات الآلاف وتشريد أكثر من مليون شخص.
ونظر كثير من السودانيين الجنوبيين الى الوجود العسكري الأوغندي في بلادهم باعتباره احتلالاً، كما عارض كثير من الأوغندييين الذين يعانون تحت حكم موسيفيني القمعي الفاسد، التدخل العسكري لبلادهم في جنوب السودان من دون موافقة من البرلمان الأوغندي.
وبعد عام على بدء الصراع، حثت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى مجلس الأمن سامثا باورز، ونظيريها الفرنسي والبريطاني، المجلس على فرض عقوبات بما في ذلك حظر بيع الأسلحة ضد حكومة كير، عسى ان يفلح ذلك في قطع امدادات الأسلحة الأوغندية له، ويجبر الطرفين على التفاوض بجدية مع الخصوم.
وقد أيدت الولايات المتحدة هذه الخطوة، ومعها العشرات من مجموعات الاغاثة الإنسانية، وكانت ثمة اشارات بأن روسيا والصين قد اقتنعتا بها، لكن مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس افشلت الخطوة من خلال مواقفها المتساهلة مع حكومة موسيفيني.

مغامرة خطرة
ووفقاً لمجلة فورين بوليسي أصرت رايس على ان ماشار متورط أيضاً بارتكاب جرائم حرب، ولذلك فان أوغندا لن تلتزم بفرض الحظر، وفي النهاية لم ينجح مجلس الأمن في وقف المجازر، لكن الفصائل السودانية توصلت في أغسطس الماضي الى اتفاق سلام يقضي بنزع الأسلحة في العاصمة جوبا، وبقاء قوات كير في ثكناتها، على ان يتولى ماشار منصب نائب الرئيس مرة أخرى.
وكان الجميع يعلمون ان مطالبة الرجلين بالعمل معاً، هي مغامرة محفوفة بالمخاطر، فهما يكره أحدهما الآخر، ولكل منهما أنصار مدججون بالسلاح. وبما أن كلا منهما يرفض التسليم بالسلطة للآخر، فإن توازن القوة هو الوحيد الكفيل بضمان صود وقف اطلاق النار.

فخ جوبا
ولكن مع مرور الأيام، لم يلتزم كير ببنود الاتفاق، اذ رفض نزع سلاح قواته، وماشار لم يجرؤ على العودة الى العاصمة ليتولى صلاحياته نائبا للرئيس، خوفا على سلامته. ولكنه عاد في ابريل الماضي تحت ضغوط دولية هائلة وخاصة من الولايات المتحدة، وتحققت مخاوفه، ووجد نفسه في فخ، ففي الثامن من يوليو، وبينما كان يدور اجتماع بينه وبين كير في القصر الجمهوري، هاجمت قوات كير حراس ماشار، فاندلعت معارك أسفرت عن مقتل ثلاثمئة شخص من بينهم مدنيون.
وعاثت قوات كير فسادا في المدينة، وقامت بعمليات اغتصاب وقتل شملت عمال الإغاثة وقوات حفظ السلام الدولية ولاجئين كانوا يحتمون بمجمع تابع للأمم المتحدة. وبعد أن تعرض ماشار لهجوم بري وجوي كاسح فرّ عبر الغابات الى الكونغو.
وبدلا من معاقبة كير على تدميره عملية السلام، أبلغ المندوب الأميركي للسلام في جنوب السودان رونالد يوث الكونغرس ان وزارة الخارجية رأت أنه ليس من الحكمة ان يعود ماشار الى جوبا. فعزل ماشار أخلّ بتوازن القوى الذي حمى أنصاره من قسوة جيش كير الذي نفذ حملة قتل جديدة في الخريف الماضي، فردّ ماشار بإعلان الحرب على حكومة كير، لكن انتهى به الحال الى جنوب افريقيا، بينما يواصل رجال كير «تطهير» جيوب المقاومة داخل البلاد. فكل من تدور حوله الشكوك بأنه يؤيد ماشار كان يتعرض الى خطر شديد، وبالفعل، فقد راح ضحية هذه الحملة كثير من الرجال والنساء والاطفال الأبرياء.

مشكلة من الجحيم
وفي شهر نوفمبر الماضي، بدأت الولايات المتحدة تدفع باتجاه فرض عقوبات ضد كير في مجلس الأمن، لكن ذلك جاء بعد فوات الأوان، اذ أصبح من الصعب اقناع روسيا والصين بالموافقة. وفي كتابها بعنوان «مشكلة من الجحيم» دعت السفيرة باور الى تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لحماية المدنيين من الجرائم ضد الإنسانية في كل مكان. والآن، وبعد تقاعدها، يمكن لباور ان تشرح لماذا يكون الحديث في مثل هذا الأمر أسهل بكثير من الفعل. ولكن ها هي نصيحة لإدارة ترامب: المجازر لا تقع بين ليلة وضحاها، بل تبدأ بمظالم صغيرة وصراعات على السلطة وانتهاكات مختلفة لحكم القانون. والأهم من المسؤولية عن حماية المدنيين هو مسؤولية منع وقوع الجرائم ذاتها من خلال المفاوضات والدبلوماسية والعقوبات، قبل وقت طويل من بداية مثل هذه المجازر التي ما إن تبدأ حتى يصبح من الصعب حماية ضحاياها.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد