بغداد مدينة أضداد تنبض بالحياة.. رغم الإرهاب والفساد والفقر | المدى |

بغداد مدينة أضداد تنبض بالحياة.. رغم الإرهاب والفساد والفقر

كما لو أنها تواقة لعناق الحياة تعيش العاصمة العراقية بغداد أيامها ولياليها بكثير من المظاهر والأجواء المفعمة بالحيوية لدى أغلب سكانها رغم جروحهم النفسية العميقة بفقدان الأعزاء بسلسلة التفجيرات الإرهابية الدموية من جهة، والغضب المتنامي على مظاهر الفساد المستشري في مفاصل الدولة والذي يعد نهباً فاضحاً غير أخلاقي للمال العام من جهة أخرى.
ثمة إجراءات كثيرة تجري للحد من هذه المظاهر التي تقول المصادر الحكومية الرسمية أنها قد استطاعت تقليصها بنسبة ما، بيد أن الحلول السريعة الناجعة التي يطالب بها المواطن العراقي ليست ممكنة إن لم تكن مستحيلة، ذلك لإن عملية الفساد ليست حديثة عهد وليست مقتصرة على طرف دون آخر من أطراف المشهد السياسي، فضلاً عما هو بنيوي صار يشبه الثقافة العامة التي بسطت سلطانها على عموم دوائر الدولة وموظفيها على اختلاف مواقعهم الدنيا والعليا.

تداخل صور الواقع
هذه الصورة الكالحة التي يراها العراقي والمتابعون عن كثب بأم أعينهم تقف الى جانبها صورة أخرى ملطخة بدماء الأبرياء المستهدفين بشكل يومي في الشوارع والأسواق والمحال التجارية ومواقف السيارات بأعمال الإرهابيين الذين أدمنوا لعبة الموت المجاني ليزدادوا إيغالا بها، وتماهيا معها بنحو طردي كلما ألحقت بهم القوات العراقية هزائم مرة في سوح القتال، وانتزعت من براثنهم جل المدن العراقية في الغرب والشمال التي كانوا استولوا عليها.
وواضح أن الإجراءات الأمنية الضرورية رغم ما تسببه من اختناقات مرورية مرهقة للمواطنين لم تعد وحدها كفيلة بلجم كرات النار الإرهابية لأسباب عديدة من بينها الرشاوى المتفشية، وعدم القدرة على مسك كل المنافذ المرتبطة بمناطق حزام بغداد، ناهيك عن إمكان الارهابيين تفخيخ السيارات في أحياء العاصمة وهو أمر مرجح ٌ لدى الأوساط الأمنية ويحتاج الى ضرورة تعاون المواطن نفسه للحيلولة دون تمكينهم من ذلك.
صورة ثالثة هي الأخرى شاخصة تتمثل بالصراع السياسي بين القوى السياسية الذي لم يلق سلاح مناكفاته بعد رغم الخطوات التي اتخذها البرلمان العراقي على طريق المصالحة الوطنية من قبيل اقرار ( قانون العفو العام، وقانون الأحزاب، وحظر حزب البعث، هيئة المنافذ الحدودية، تأسيس جهاز مكافحة الإرهاب، دمج الوزارات، الغاء مناصب رئاسة الجمهورية، إلغاء المجالس البلدية وتقليص رواتب المسؤولين) فيما ينتظر البرلمان كثير من مشاريع قانونية ليصوت عليها لاحقا لا سيما (هيئة المساءلة والعدالة) المختصة بتشخيص العناصر المرتبطة بحزب البعث المحظور حيث سيعمد البرلمان الى وضع آلية قانونية تحد أو تلغي قرارات هذه الهيئة التي باتت تشكل عبئا على المواطنين كافة، إذ يتعين على من يتقدم الى الوظيفة بعد الموافقة الوزارية الى تعيينه التوجه الى (هيئة المساءلة والعدالة) ليحصل منها ما يؤكد عدم ارتباطه بحزب البعث.

المشهد الآخر
في ظل هذا الواقع العليل يندفع مشهد آخر مغاير يصعب على المتابع عن قرب تفسيره أو وضع الأجوبة للتساؤلات المتعلقة بحضوره الحيوي.
في جولة لـ القبس على عدد من أحياء بغداد وفي جانبيها «الرصافة والكرخ»، ثمة إقبال شديد للمواطنين على الأسواق والمحال التجارية، والمولات الكبيرة، والمطاعم الحديثة، ومقاهي «الكوفي شوب» التي تتناسل في عموم بغداد كما لو أن أصحابها في سباق محموم مع الزمن وهي تكتظ جميعها بالمريدين شيباً وشبانا ونساء وأطفالا، متناسين كل شكاواهم اليومية من البطالة، وهجاءهم المر لساسة البلاد من دون استثناء.
كيف يمكن لهؤلاء الناس كل هذه الحركة الدائبة والحضور الحي الذي يأخذ من جيوبهم الكثير أن يوائموا بين الشكوى المستدامة والانفاق المستدام على حد سواء، ذلك هو السؤال الذي طرحناه على كثير ممن التقيناهم في هذه الجولة فيجيبون أجوبة مختلفة هي الأخرى لا تساعد بسبب الاختلاف على التفسير لهذا التضاد.
البعض وبلهجته العامية يؤكد قائلا: «الفلوس هواي خير من الله وما عليكم بالكلام»، وآخر يقول: «هذه طبقية طبيعية فهناك اثرياء وآخرون تحت خط الفقر».

ملتقيات ثقافية وفنية
ليس ذلك فحسب، بل ان بعض المقاهي البغدادية قد تحولت الى ملتقيات ثقافية وفنية آثر أصحابها والمثقفون العراقيون جعلها مركزاً لنشاطهم الثقافي والفني.
في مقهى «بن رضى علوان» جعل صاحبها علاء رضى علوان الطابق الثاني من المقهى «ملتقى ثقافيا» حاشدا بشكل يومي تقيم فيه منظمات المجتمع المدني نشاطاتها الكثيرة، الى جانب قيام العديد من دور النشر العراقية برعاية الكتاب والشعراء والمبدعين في هذا المقهى الذي دلفناه اثناء فعالية لتكريم روائي عراقي شاب من محافظة ديالى نظمتها «دار سطور» للنشر إثر إصداره روايته «سفاستيكا» التي تناولها بالنقد طيف من النقاد العراقيين فيما قابلهم لفيف آخر من الأدباء ليشيدوا بهذا العمل الروائي الذي تناول شخصية قروية رعوية عاشت ردحاً من حياتها في رعاية الأبقار ثم يتحول تاليا الى شخصية قيادية ثرية العطاء في خدمة المجتمع والوطن.
كان تكريم هذا الروائي عبارة عن لوحة رمزية قدمتها دار النشر الى جانب مبلغ زهيد لا يتجاوز 700 دولار قيل لنا سيعطى له لاحقاً بعيداً عن أنظار الحضور الحاشد، بدعوى أن التكريم رمزي وليس ماديا.

تعلق بالحياة
سألت صاحب المقهى عن مدى تفاعله مع هذه النشاطات فأجاب أنه منذ تأسيسه قبل عام لهذا المقهى كان قد اتخذ قراره بجعله ملتقى لمثل هذه الوجوه المريدة لمقهاه ممن يعنون بالكلمة والريشة والموسيقى وسائر النشاطات الأخرى، مستدركاً في الوقت ذاته بدعوته الى الله أن يدفع عن المقهى غائلة الإرهاب الذي بدأ يركز هجماته الدموية بالمتفجرات والسيارات المفخخة على منطقة الكرادة حيث يتوسط شارعها الرئيس هذا المقهى العامر بالمثقفين.
كل المتحدثين خلال هذه الفعالية الثقافية شددوا على أن تعلقهم بالحياة، وبالانسان، وبالوطن ينبغي أن يكون أقوى من الإرهاب من خلال تسجيله حضوره المكثف بين دخان المفخخات الإرهابية، وأشلاء الضحايا.

خلايا نحل في «المتنبي»
واللافت أن من يشاهد مثل هذا النشاط الذي يتسع ليشمل المقاهي الى جانب شارع المتنبي الذي يشبه خلايا النحل لا سيما في كل يوم جمعة لمثل هذه الفعاليات يشعر بمزيد من الاسئلة الملحة التي تحتدم في الرأس عن كيفية الموائمة بين هذه الأجواء الثرية بالحياة والإبداع في ظل أجواء صعبة يعيشها العراق أمنيا واقتصاديا وسياسيا تبدو ضاغطة على كل شيء الى حد يصعب معه – كما يُفترض – مثل هذا النبض المضيء لدى النخبة وجمهورها المتنامي باضطراد.
ربما تكون هذه المنافذ الثقافية الكثيرة ملاذا للمثقفين العراقيين من واقع الحال المسوّر بنيران الإرهابيين وقلة الخدمات والصراع المحتدم بين الساسة، بهذه العبارة توجهت الى عدد منهم فردوا: إن مهمة المثقف ليست مرتبطة بواقع ترفي بقدر ارتباطها بحساسية ووعي الثقافة لدورها في كل الظروف والاحوال.

توافد كثيف على شارع المتنبي
توافد كثيف على شارع المتنبي

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد