الصدقة الحرام بقلم: ذعار الرشيدي | المدى |

الصدقة الحرام بقلم: ذعار الرشيدي

«ما يحتاجه البيت.. يحرم على الجامع»، مثل كويتي مفاده انه لا يجوز لك التصدق للمسجد القريب منك بغرض يحتاجه منزلك أو أهلك، فلا يجوز مثلا ان تتصدق بوجبة لإفطار صائم في المسجد وأولادك جوعى، او ان تتصدق بقطعة قماش وأولادك شبه عراة، هنا تكون الصدقة بحكم المحرمة.
***

ويرفع كثير من رافضي المساعدات الخارجية التي تقدمها الحكومة وتعلن عنها هذا المثل الكويتي، ويعتبرون ان البيت الكويتي أحق من بيوت الدول الخارجية بتلك الملايين التي تقدم على شكل هبات أو قروض أو حتى مساعدات عينية، فمن وجهة نظرهم لا يجوز التبرع بملايين من أجل مشروع تطوير البنية الصحية لجزيرة في منتصف الأطلسي بينما مستشفياتنا تعاني من خلل واضح وقصور بيّن، ولا يجوز منح قرض مليوني لدولة أفريقية لتطور طرقها ونحن شوارعنا تخنقنا بالزحمة يوميا، وقد يبدو فيما يرون شكليا حجة منطقية، وهذا منطقيا سيكون صحيحا لو كنا أسرة صغيرة تسكن منزلا اسمه الكويت، وسيكون ذلك المثل عن حرمة الصدقة للمسجد منطبقا علينا بالكامل.

***

ولكن الكويت ليست منزلا صغيرا ونحن شعب مليوني ولسنا أسرة مكونة من 7 أنفار، وان المساعدات الخارجية تعتبر جزءا مهما ورئيسيا من الذراع السياسية الخارجية للدولة، وهنا يسقط الفارق في التشبيه الذي يطرحه البعض في تناول المساعدات الدولية الخارجية لأي بلد من بلدان العالم.

***

ذراعنا الاقتصادية او تلك التي تعرف باسم القبضة السياسية الحريرية للسياسة الخارجية الكويتية هي جزء رئيسي من قوتنا السياسية الخارجية، فنحن لا نمتلك حاملات طائرات ولا أساطيل حربية، ولا قوة عسكرية قادرة على التدخل في هذا الصراع أو ذاك، لنكسب تعاطفا أو حضورا سياسيا من هذه الدولة او تلك في مجلس الأمن او مجلس الامم المتحدة، ولكننا نمتلك ذراعها «سيواقصادية» أعمق وأكثر تأثيرا من اي قوة على وجه الأرض، وهنا لا أقول اننا نشتري ولاءات تلك الدول بمساعدتنا لها عبر القروض أو الهبات أو المساعدات التي نقدمها، بل ان تلك القروض او المساعدات هي جزء رئيسي لدولتنا الإنساني في مساعدة الآخرين من الدول المحتاجة من مختلف بقاع الارض، وجزء من واجبنا تجاه اخوتنا في الانسانية من اي بقعة في الارض.

***

كما قلت قوتنا في اقتصادنا أو بالأصح في قوتنا «السيواقصادية»، بل بالأصح قوتنا في دينارنا عبر تلك المساعدات المتنوعة لكثير من البلدان، وايضا أكرر أن تلك المساعدات تأتي من منطلق انساني بحت دون إضفاء او إلقاء تهمة شراءات الولاءات أو مواقف مسبقة لتلك الدول التي تتلقى تلك المساعدات منا، بل نقدمها من واقع منطلق إيماننا بالشراكة الانسانية وان تلك المساعدات التي بلغت أكثر من مليوني دينار العام الماضي مثلا بحسب بيان رسمي لوزارة المالية ما هي إلا جزء من شراكة الكويت تجاه الدول الفقيرة المحتاجة.

***

وهذه المساعدات التي تقدم للدول المحتاجة من دولتنا ليست وليدة اليوم وليست ابتكارا جديدا بل جزءا من سياستنا الخارجية القائمة منذ 30 عاما وكان يقودها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الاحمد منذ ان كان وزيرا للخارجية ومهندسا رئيسيا لها، وتلك السياسة كانت سببا رئيسيا في وقوف كل العالم معنا عام 1990 عندما تم غزو بلدنا عبر الاحتلال الصدامي.

***

واليوم للأسف يأتي من يقوم بالتقليل من شأن المساعدات الاقتصادية الخارجية، ويعتبر انها صدقة محرمة في حين ان هذه الصدقة هي جزء من رد الدين الإنساني لنا للدول الشقيقة المحتاجة والأهم انها تعتبر جزءا رئيسيا من الذراع الاقتصادية السياسية لدولتنا الصغيرة جدا.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد