التلفزيون «البلاستيك» – المدى |

التلفزيون «البلاستيك»

ناصر بدر العيدان
في كتابه «اليد واللسان» تطرق الأكاديمي الدكتور عبدالله الغذامي إلى ما أسماه «رأسمالية الثقافة» التي بسببها تراجع قانون «الوقار» لمصلحة قانون «الإثارة»، وهي لغة مرحلتنا الحالية، ولم تكن فكرة الأكثر «مشاهدة» في ثقافة النشر إلا «رأسمالية ثقافية» وسوق حرة وتنافسية على كمية المشاهدات لا أكثر! وكمية المشاهدات شأن تسويقي يجلب الإعلانات مما ينتهي بهذه الوسيلة الثقافية «البرنامج التلفزيوني» إلى سلعة تجلب المال في السوق الإعلامي ليس أكثر، وهذا هو البرنامج التلفزيوني «البلاستيكي».. برنامج «هش» ثقافياً يبحث عن المشاهدين والمردود الإعلاني ليس أكثر. هذه الرأسمالية في التعامل مع الوسائل الثقافية هي في الحقيقة تجارة في «واقع الحال»، فالقناة التجارية ما يهمها في النهاية هو المردود المالي، ومن حقها أن تفكر بشتى الوسائل حتى تجذب هذا الإصبع ليكبس على الزر وليشاهدها ويشاهد إعلاناتها.

شريحة الشباب هي المكسب الحقيقي لأي وسيلة إعلام، وحين ندرس شريحة الشباب فإننا نظلمهم إن قلنا إنهم في قمة الثقافة والاهتمام الأدبي. شريحة الشباب، ومن خلال السنوات الأخيرة التي تطورت بها التكنولوجيا، قد تحول اهتمامهم من ثقافة القراءة إلى ثقافة الصورة، ومن ثقافة البحث إلى ثقافة الطلب. كما أن هناك عوامل مساعدة أخرى منها انحسار دور الأسرة، مما مكّن الشاب من الاعتماد على نفسه في توعية نفسه والوصول إلى كل شيء بكبسة زر فكل شيء أصبح الكترونياً، لذلك فإن الإرشاد السليم من ذوي الخبرة مفقود، ودور التوجيه الثقافي والاجتماعي مهم لهذه الفئة العمرية.

الدولة بلاشك تتحمل جزءاً من مسؤولية هبوط مستوى ثقافة الشباب، فعدم اهتمامها بالمسارح، والمراكز الثقافية، والنشاطات المدرسية، والأندية الرياضية، والإبداعات والاختراعات، والمسابقات المتخصصة، وغيرها من الفعاليات والمشاريع التي لها تأثير غير مباشر في توجيه ثقافة الشباب، لن يجبر صاحب المادة الإعلامية إلى تقدير ذلك البناء الثقافي، ولن يحثه على تقديم برنامج «حديدي»! بل سيستمر بتقديم برنامج «بلاستيك» مادام المشاهدون «بلاستيك»!

حسناً فعلت الحكومة حين رخّصت للقنوات التلفزيونية الخاصة، لكن هذا الترخيص – بالمقابل- يجب أن تتبعه بذور وأسس ثقافية تُبنى في المجتمع بالتوازي، ولا يجب أيضاً أن تدع الحكومة الخيار كاملاً للمستثمر الإعلامي، ليضرب بثقافة الشباب عرض الحائط، وتتحول الوسيلة الإعلامية من رسالة ثقافية إلى رسالة «بلاستيك» كل همها عدد المشاهدين وكمية الإعلانات!


الراي

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد