ثقافة اللوم – المدى |

ثقافة اللوم

بقلم: أنفال عبد الباسط الكندري

قد يتمكّن البعض من زراعة الورود في خياله، لكنه يرى أن وجودها على أرض الواقع لأمر يستعصي عليه، بسبب رفض شخص ما يجب أن يشاركه قراراته. نعلم أن المشاركة مجلبة للسعادة متى ما توافق الطرفان وكان بينهما انسجام، ولكن هناك فئة أوجدت لنفسها ثقافة جديدة.
قد يعاني البعض من المشكلات ويبعثر أفكاره هنا وهناك ولا يصل إلى حل، لأن الصورة التي يحملها في ذهنه عن الطرف الآخر تشغله وتشعل بداخله الأفكار السلبية، فتجتمع حول صورة ذلك الشخص جميع السلبيات والمواقف المزعجة التي تكدر صفو العلاقة بينهما، ثم يجلس بعد ذلك ويقوم برميها بسوء ظنونه من دون أن يحمل نفسه مسؤولية ما قد وقع، وكثيراً ما يتكرر ذلك اللوم في العلاقات المقربة. الخلل الحقيقي ليس بوجود المشكلات التي نتعثر فيها ونحن في طريق سيرنا بعلاقاتنا، الحقيقة ان تلك العثرات تكشف جانباً كبيراً من شخصيتنا ومدى رغبتنا في استمرار العلاقة والحفاظ عليها، وما هو دور الطرف الآخر، هل نرى أنه الشريك الذي نستحقه أم اننا نراه مجرد شخص يبذل ما بوسعه لكي يعيق تقدمنا؟ وهل نحن نتسارع لنكتب على جداره بيد حزينة الأخطاء التي أوقعنا بها دون اهتمام؟
إن ثقافة اللوم منتشرة بيننا، فالآخر أصبح المرمى الذي أوجدناه في أذهاننا لنسدد به أخطاءنا، اننا لم نعد نرميه باللوم عندما يتوقف الأمر على رغباتنا فقط، بل حتى عندما تأخذ حواراتنا مجرى آخر لا يصل بنا إلى ما نريد، فعدم التوصل إلى نتيجة أثناء الحوار يسقط البعض فشله على الطرف الآخر من دون الرجوع إلى الأساليب والمفردات والصوت والوقت الذي اختاره وإن كان مناسبا أم لا. لذا يمكننا القول إنه متى ما تمكن المرء من الحديث مع نفسه بوضوح ووقف أمام مسؤولياته كما يقف من أجل حقوقه، ومتى ما أدرك الأسباب خلف أخطائه كما يدرك سر نجاحاته، سيتمكن من التوقف عن اللوم وخلق ثقافة جديدة وفكر جديد منظم، يقود من خلاله أفكاره ومشاعره وسلوكياته. وحين يكون مدركاً تماماً لاحتياجاته ورغباته فسيكون أكثر قدرة على توصيلها لشريكه واشراكه بها واقناعه بأهميتها له، وستجده دائم البحث في الحل ولا يهلك نفسه بالتفكير في المشكلة، فاللوم ثقافة تقصر من عمر العلاقة وتقطع الطريق على الحالم.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد