وأد الحياة – المدى |

وأد الحياة

رندا الشيخ – @Randa_AlSheikh

من المجحف أن يمتلئ عالمنا العربي بمن يتلصص على حياة غيره، ويطلق الأحكام جزافاً بناء على ما علم أو سمع أو حتى رأى! بل ويتجرأ على مصادرة حقهم في الوقوف من جديد بعد سقطة مدوية تركت آثارها على أرواحهم قبل أجسادهم! وفي المقابل، يكون أولئك هم أول المصفقين والمنادين بحق التمتع بفرصة ثانية حين يتعلق الأمر بغير العرب! لماذا؟ لم أفهم بعد!

كانت هذه الأفكار هي ما تدافع داخل رأسي وأنا أستمع إلى حديث إحدى الفتيات التي كانت تعلق بلوم وحرقة على قصة امرأة كانت تشتكي من الوحدة بعد انفصالها عن زوجها الثالث، وحين حاولت أن أفهم منها السبب وراء موقفها ذلك، بررت حديثها بالقول: “ما تخجل تتزوج أكثر من مرة وهيا ست كبيرة؟”!

المرأة التي أتحدث عنها تدعى سميرة تبلغ من العمر 49 عاماً، لها من الأبناء صبية جميلة تزوجت وأنجبت وتعيش مع زوجها في بلد مجاور، وتوأمين من الصبيان يدرسان في جامعات بالخارج. توفي زوجها الأول بعد أربعة أعوام من مرض ألزمه الفراش، ثم تزوجت من بعده رجلاً انفصلت عنه حين أساء معاملتها، بعد رفضها منحه راتبها كاملاً نهاية كل شهر، أما الأخير فكان يصغرها بأعوام خمسة، وتزوجها طمعاً فيما ورثته عن زوجها الأول! بعد كل هذه التجارب المريرة، ظلت سميرة وحيدة لعامين، تحاول ملء وقتها بعمل تحبه وسفر تعشقه، لكنها رغم ذلك لم تستطع الصمود أمام برودة الوحدة التي تحيط بأطرافها، بعد أن قلت زيارات صديقاتها وتململهم منها، وانشغال أبنائها في الركض خلف أحلامهم، بعد أن أفنت سنوات شبابها في تربيتهم وخدمة والدهم. كل ما فعلته تلك المرأة هو أنها بحثت فينا عن يدٍ حنون تمسح على قلبها وهي تفضفض لنا عن حاجتها لأن تلتقي بحبّ يمنح دون مقابل، وتكمل معه ما تبقى من حياتها، ولم تعلم أنها قد تلتقي بمن يلومها على محاولاتها لتخطي ظروف مؤلمة عاشت تفاصيلها بصبر.

أخيراً أتساءل، ما الخطأ في أن تمارس المرأة العربية حقها في أن تتزوج وتعيش حياة جميلة بعد سنوات من التخبط، وتظل تحاول حتى تنجح؟ ولماذا نستنكر الأمر في حين نصفق بحماس حين نقرأ خبراً عن رجل وامرأة من دولة أجنبية تزوجا وهم في السبعين بعد قصة حبّ لم تكتمل في شبابهما، ونحن نهتف “يالله مرة كيوت”؟ مازلت أتساءل.. وسأبقى.


جريدة الكويتية

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد