«في الرثاء لا بأس أن يختلط حبر الكتابة .. بالبكاء» – المدى |

«في الرثاء لا بأس أن يختلط حبر الكتابة .. بالبكاء»

قرأت كثيرا في سابق الوقت كيف تلعثم أفضل الكتاب وأعتى الشعراء حين هموا في كتابة الرثاء، فالشاعر الكبير أحمد شوقي لم تسعفه لغته حين رثى والده حتى جاءت القصيدة ركيكة ولاقت انتقادات واسعة، لكن لا شيء في هذا يهم، ضعف كلام من يقوى على تطويع حروفه في هذا المنزل قوة وليس ضعف، فالذي لا تضعفه مواقف كهذه جماد بلا مشاعر، وماذا نكون نحن بلا مشاعر.
وصلت الى الكويت في صباح يوم الجمعة، أفكر بعد غربة شهور كيف سنلتقي الأحبة ونتحاور على موائد الفطور والسحور، كيف نتناقش ونضحك ونجتمع في ليالي رمضان الهادئة التي تخيم عليها السكينة. وصلت وبعد لحظات قليلة جائني الخبر المشئوم، ما كنا نشاهده في شاشات التلفاز فنحمد الله على نعمة الأمن والأمان اليوم يحدث بيننا، فجر ملعون نفسه في مصلين كل ذنبهم أنهم سجدوا لله ولم يسجدوا لغيره، لم يعبدوا أصناما ولم يأجروا عقولهم لمشايخ الدم، فأبت ثلة الإجرام الا أن تحصد أرواحهم، قضى نحبه الطفل والشيخ، الحارس البسيط الذي فر من الفقر ليؤمن حياة كريمة لأهله والطبيب الذي أنقذ مئات الناس، استاذ الجامعة الذي تربت على يده الأجيال، وطفل كل همه أن يكون في عين أبيه بارا مخلصا له وللدين، هاتفت الزملاء الأطباء في كل المستشفيات فوجدتهم جميعا هرعوا دون تنسيق، ذهبوا ليلبوا نداء الواجب فضربوا مثالا رائعا.
هول المشهد ليس كمثله شيء مشهد مؤلم حزين لم يلمس وجدانا حيا الا أبكاه، ولم يمر في شارع الا وأصبغ عليه العتمة، وما كانت الا لحظات، وتصدر مشهد آخر شاهدناه عشرات المرات ولم يختلف شعورنا تجاهه ولا قل حماسنا، هو منظر ذلك القائد المختلف صاحب السمو أمير البلاد، فلم يكتفي بالبيانات ولا الخطابات كما تعودنا من رؤساء الدول، فما إن وصل اليه الخبر ما كانت الا لحظات وهو في موقع الحدث، يذرف دمعا على أبناءه غير مكترثا لإحتياطات أمنية ولا خطر، كل ما يهمه علاقة لم يفهمها العالم حين يقولها أو نقولها فيظنون أنها مجرد كليشيهات تقال الا أنه قرنها بالفعل وألحق القول الفصل : هذولا .. عيالي !
لا أعرف لماذا أكتب اليوم .. ولا أكترث إن كان المقال محكما جميلا، وأعلم أن كل الاقلام تعجز في وفاء شهيد واحد حقه، لكن ايضا هذا لا يهم، فالموصوف يطغى على كل وصف، وهل أبدع من صورة أمهات الشهداء وهم يطلقون “اليباب” وكأن لسان حالهم يقول: زفوا الشهيد ولا تبكوا عليه، وهل أشرف من أن يموت الانسان في أشرف شهر وأعظم يوم وهو ساجد.
لقد أثبت الحادث الجبان أن الأغلبية العظمى من الشعب على طيب الفطرة، ورفض الطائفية، وأن اصوات النشاز التي كانت سائدة وكنا نظنها كثيرة لم تكن سوى ضجة مزعجة لأقلية يجب اجتثاثها، وليس الحديث هنا عن الادوات الصغار بل على المحرضين الكبار وعلى كافة ما يشجع على خطاب الكراهية ويدفع باتجاهه.
دم الشهيد غالي ودمعة طفله تيتم وزوجة ترملت وأم ملكومة لا تقدر بثمن، فلا تسمحوا أن تهدر هذه الدماء وتلعنا هذه الدموع، أوقفوا الطائفيين والعنصرين وحاربوهم وطاردوهم كشعب ليعلموا أن لا مكان لهكذا حديث بعد اليوم، ايا كانت ملتهم وطوائفهم وتوجهاتهم، لا مجاملة على الوطن ولا مساومة على قطرة دم شهيد.
في رثاء الشهيد تبعثرت أبجديات الحروف ..
في رثاء الشهيد تضيق سعة اللغة ..
في رثاء الشهيد .. لا بأس أن يختلط حبر الكتابة .. بالبكاء
رحمه الله شهدائنا وتقبلهم وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
د. أحمد باقر العلي

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد