معرض الكتاب! – المدى |

معرض الكتاب!

د. محمد الرميحي – @rumaihi42

انقضى معرض الكتاب في الكويت، وهو المعرض الثالث في العالم العربي من حيث بدايته، قبله كان بيروت والقاهرة، وكالعادة يصاب البعض بشيء من القلق العُصابي حول ما يعرض من كتب، ما يُمنع وما يُسمح، كنت أعتقد أننا دخلنا في مرحلة سياسية تخطت التخويف والتهديد السياسي حول عرض الكتب، ولكني اكتشفت أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالكتاب لايزال مطاردا لأن البعض يعتقد خطأ أن الكتب تغسل الأدمغة، هي قد تفعل ذلك مع الأدمغة الفارغة، كما أن الوصاية قد أسقطتها وسائل الاتصال الاجتماعي، إن كان البعض لايزال غافلا.
ما منع من الكتب يحزن القلب ويحتاج إلى وقفة جادة، أولا ليس هناك مسطرة واحدة محددة لما يسمح به وما يُمنع، فهناك شخص في الجهة الرقابية يمنع كتابا، وآخر في نفس المكان يمكن أن يجيزه في وقت لاحق أو في معرض آخر بعد حين، فالإدارة الرقابية لا تخضع لمعايير واضحة، وثانيا المنع والسماح، يجب ألا يخضع لمزاج موظفين، مع الاحترام لأشخاصهم، يترددون كثيرا أمام النصوص، طبعا خوفا من المساءلة، يحتاج الأمر، إن كان لا بد من رقابة، إلى لجنة محايدة لا تخضع لأي سلطة، غير سلطة ضميرها الاجتماعي والفني، حتى تقرر ما يسمح وما لا يسمح، كان هذا الأمر معمولا به في الماضي ولكنه تلاشى أو انعدم، إنما الأهم من كل ذلك أن سمعتنا الثقافية تمر بمرحلة مخاض، فكثير مما منع من كتب سُمح به في معرض الشارقة، قبلنا بأيام، التي أصبحت عاصمة ثقافية عربية بامتياز، بسبب متابعة مؤسساتها المختصة أمر الكتاب والثقافة، ومعرفة أهمية الكتاب في حياة الإنسان، وكذلك يسمح بمثل هذه الكتب في المملكة العربية السعودية، بسبب الانفتاح الثقافي الذي تبنته سلطات المملكة منذ فترة، لإيمانها بتعريض القارئ لكل تيارات الفكر دون قلق أو وجل، كنا في الكويت في سابق الأيام محطة لمن يرغب في اغتناء كتاب، اصبحنا آخر المحطات بسبب هذه التدخل الذي لا يخلو من تكسب سياسي لا غير، فوق ذلك كله وربما قبله، لم يعد أيها السادة في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين مكان لشيء اسمه “الرقابة على الكتب”، لقد سقطت الحراسة على عقول الناس، وما التشدد الذي نراه حولنا إلا نتيجة تلك الحراسة التي منعت الهواء الثقافي الصحي من الوصول إلى شبابنا، ومع ذلك فمعظم الكتب التي تُمنع من الرقيب يقبل عليها الناس، فالمنع هو في الحقيقة جواز لانتشارها، لأنها ببساطة يمكن أن تطلب، من خلال الإنترنت بسهولة ويسر، بل أصبحت هذه الوسيلة (الإنترنت) مصدرا لكثير من المتابعين للمعلومات والنشرات والكتب.
الظاهرة التي لفتت نظري هي الإقبال على كتابات وكتب الشباب، صحيح أن بعضهم في بداية تجربته الكتابية، ولكن هذا الإقبال يعني أن الجيل الجديد يريد أن يقرأ، ويرغب في قراءة ما يخصه وما يعبر عنه وعن آماله، البعض تضايق من هذه الظاهرة، على أساس أن هناك كتبا جادة على الجيل الجديد أن يلتفت إليها، هذه الحجة وإن كانت معقولة، إلا أني مع أن يقرأ الجيل الجديد ما يريد ويفضل، لأن هذه القراءة سوف تقوده إلى قراءات أخرى، فظاهرة القراءة يجب أن تُشجع بأي شكل جاءت، لأن المشكلة الكبرى في عدم القراءة وليس في القراءة نفسها.
بالمناسبة فقد أعلنت جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية، فإلى كل الإخوة والأخوات المبدعين أو الذين أدوا أعمالا ثقافية في مجمل مسيرتهم.. التهنئة والتبريك، لأنهم بالفعل يستحقونه، كما يستحقه العديد من المبدعين في الكويت، وشخصيا سأكون سعيدا لو خصصت جائزة، ولو واحدة، بأي تسمية كانت، للمبدعين من العرب الذين يعيشون معنا، وقدموا أعمالا ثقافية مبدعة، وهم كُثر، وقد صرفوا زهرة حياتهم المنتجة في ما بيننا، هذا الاقتراح إن لم يكن من الممكن تبنيه بشكل رسمي في الوقت الحالي، فأرجو أن تتبناه واحدة أو أكثر من مؤسسات المجتمع المدني التي لها اهتمام بالثقافة، وفي النهاية أرغب بأن أقدم الشكر ممثلا في شخص الأخ سعد المطيري مدير المعرض منذ سنوات طويلة، الذي يتحمل وفريقه، تنظيم هذه التظاهرة الحضارية التي أسس لها المرحوم أستاذنا عبدالعزيز حسين- طيب الله ثراه- وزملاؤه، وكل معرض وأنتم طيبون.


جريدة الكويتية

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد