مع الله وضد بشاعة البشر – المدى |

مع الله وضد بشاعة البشر

دلع المفتي – @dalaaalmoufti

دم .. دم ومزيد من الدم. تربتنا ثملت من كثر ما شربت من دماء ضحايا التطرف الديني والمذهبي. أراضينا تشتكي من كثرة ما عبرها من نازحين، قتلى وجرحى، مهجرين ولاجئين، أرامل، أيتام وثكالى. بلادنا كفرت بنا.. وراحت تلفظنا.

لا ادري ما الذي يغضب السني من الشيعي، والشيعي من السني إلى درجة الاقتتال. ما الذي يزعج أتباع الطوائف المختلفة بتدخلهم وفرض طريقة تعبدهم على الآخر، طالما أن الجميع يعبدون إلهاً واحداً، ويتبعون سنة واحدة وشعائر واحدة، ما هذه الفوارق «المهمة» التي نتذابح من اجلها؟ ألم يخلقنا الله أحراراً، وترك لنا حرية الخيار؟ من أنتم لتفرضوا وجهة نظركم الأحادية على الباقي، بل تقاتلوا وتقتلوا من أجلها؟

ما هذا الداء الذي استفحل في أرواحنا وجعلنا نقتل الآخر لمجرد اختلافه عنا؟! نرفض الاختلاف في القومية، في الجنسية، في الدين، وحتى في المذهب. أي سوس ينخر فينا؟ وأي أمل بقي لنا؟ نتذابح اليوم على مشاكل موروثة منذ قرون.. ومازلنا. هل هذا يعقل؟ ويا حبذا لو كف الطرفان عن المزايدة على بعضهما، فكلنا نعرف أن في كل الأديان والمذاهب هناك من يتطرف ويتشدد ويكفر الآخر، بل هناك من رجالات الدين من الطرفين من يشجع ويحرض على التفرقة. فكلنا في الهم شرق.

ان التطرف والتشدد حالة تصيب الأفكار والايديولوجيات، الديانات والمذاهب والأنظمة السياسية. ملايين البشر، عبر التاريخ، قضوا نتيجة حروب متطرفة عقائديا أو سياسيا أو أيديولوجيا، وما مجازر محاكم التفتيش، الحروب العالمية، ضحايا النازية، الفاشية، وإسرائيل، جنوب أفريقيا، إلا أمثلة دامية على أثر التطرف على البشرية. فعندما يتحول التطرف من فكرة إلى سلوك فعلي يصبح الخطر ظاهرا، حيث تستعمل آليات العنف والإرهاب الفكري والمادي لإجبار الآخر على اعتناق فكرتك بالقوة.

ها هي الطائفية تحفر خنادقها في العراق، لبنان، سوريا، البحرين، وفي الامس القريب في السعودية. ماذا ننتظر؟ وإلى متى سنظل نشيح بوجهنا عن الجرائم التي ترتكب باسم الدين وبتحريض من بعض رجاله؟ إلى متى سنصبر عن محتكري الدين الذين يقنعون أتباعهم أنهم هم فقط على حق، وهم من سيدخل الجنة، وباقي ما تبقى منا في النار؟

انتفضوا.. افتحوا كتبكم، انفضوا الغبار عنها، افحصوا مناهج طلابكم، راجعوا تفسيراتكم، انظروا في أقوال دعاتكم، أعيدوا تفسير ما فسر قبلا، أغلقوا قنوات الفتنة التحريضية، سنّوا قوانين صارمة ضد كل تكفيري متزمت طائفي. ربما بعد كل هذا نستطيع ان نفرح بجيل جديد نظيف القلب والروح، يتقبل الآخر مهما اختلف عنه، ويأكل معه في الطبق نفسه.

إن سألك أحدهم: هل انت سني أو شيعي؟

قل: الله خلق الإنسان، أما المذاهب فهي من صنع البشر، وأنا مع الله وضد بشاعة البشر.

جريدة القبس

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد