أهل المواهب ومشاهير السخرية! – المدى |

أهل المواهب ومشاهير السخرية!

د. ساجد العبدلي – @DrSajed

“الموهبة أرخص من ملح الطعام، لكن ما يفرق الموهوب عن الموهوب الناجح هو الكثير من العمل الشاق”، قائل العبارة السابقة هو ستيفن كينغ، أحد أشهر كتاب الرواية الأميركيين اليوم، وأحد أكثرهم مبيعاً، حيث بلغ مجموع ما بيع من كتبه أكثر من 350 مليون نسخة بمختلف لغات العالم، أي ما يقرب من عدد سكان العالم العربي بأسره. هذا الرجل له قصة ملهمة، فقد قام بإلقاء أول صفحات رواياته في سلة القمامة بعدما شعر باليأس وعدم القدرة على إكمالها، فأخرجتها زوجته “تابيثا” من سلة القمامة وأقنعته بألا يستسلم لذلك الشعور المحبط وأن يكمل العمل، فكان لها ذلك بالفعل لتكون انطلاقته في عالم الرواية نحو النجاح والشهرة. لكن حديثي اليوم ليس عن ستيفن كينغ وقصته، وإن كانت تستحق الكتابة والحديث عنها، لكنها عن مسألة “الموهبة”.
الموهبة كما قال كينغ ليست الأساس يا سادتي، كم من الأطفال والشباب بل عموم الناس من حولنا امتلكوا مواهب فذة! كم من طفل رأيناه يرسم بشكل جميل ومميز! وكم من شخص رأيناه يلعب الكرة بأسلوب بارع ومدهش! وكم من شخص رأيناه يمتلك مواهب أخرى في مجالات أخرى! بالنسبة إلي، رأيت الكثير من هؤلاء، لكن كم من هؤلاء كبر أو نضج وكبرت معه موهبته ونضجت فتحولت إلى نجاح وتميز بعد ذلك؟ القليل بل القليل جدا. إذاً فالمسألة لا ترتبط بالموهبة إنما بمقدار العمل على تطوير هذه الموهبة ورعايتها لتحويلها إلى ثمرة حقيقية وناتج مؤثر.
في المقابل ينتشر بين كثير من الناس، وبالأخص بين بعض مشاهير “السخرية” في شبكات التواصل الاجتماعي، وأنا أسميهم كذلك لأنهم في الحقيقة ليسوا أكثر من “مهرجين ساخرين”، هم أشخاص لا يفقهون أصول النقد الموضوعي بل لا يستطيعونه، وذلك لأنه مهارة تفكيرية عالية يعجزون عنها بطبيعة الحال لقلة حصيلتهم المعرفية وربما إمكاناتهم التفكيرية، أقول إنه يشيع بين هؤلاء أن يسخروا من أصحاب المواهب وخصوصا أصحاب المواهب المتعددة، والتشكيك والاستهزاء بهم وبقدراتهم. وهذا المسلك عليل لأكثر من سبب، أولا لأن أسلوبهم تجريحي خارج عن الأدب كما ذكرت وليس من الموضوعية في شيء، وثانيا لأن المواهب منتشرة ومتاحة للجميع كما بينت، ووجودها عند شخص ما ليس بالأمر الخارق، بل إن تعدد المواهب أصلا ليس بشيء صعب ولا استثنائي، والمحك كما قلنا هو العمل الشاق المصاحب لتنمية وتطوير هذه المواهب ورعايتها، وثالثا، لأن على من يريد أن ينتقد بشكل موضوعي حقا أن ينظر إلى نتاج تلك المواهب وثمراتها الناتجة، من حيث هل هي جيدة وفق معايير مجالها أم لا. وبالطبع على من يريد ذلك أن يمتلك الإلمام بالمجال الذي سينتقد فيه، فليس من المقبول ولا حتى المعقول أن يخرج أحدهم لينتقد عملا إبداعيا لشخص ما وهو في الأساس لا يمتلك شيئا من معرفة ولا سابقة من خبرة في ذلك المجال الإبداعي!
كثير من “مهرجي السخرية” على شبكات التواصل الاجتماعي قد “شطحوا” بعيدا عن مسار الأدب والذوق في سخريتهم من الآخرين، وكل ذلك بفعل “السكرة” لكثرة المتابعين، “فنطحوا” واستمرؤوا أن ينالوا من العاملين والنشطين في كل المجالات، بل وصلت الحال ببعضهم أن يوجه اللوم لمن لا يقبل “بسخريته” تلك بأنه لا يمتلك روحا رياضية ويضيق صدره بالنقد، وهو نفسه أبعد ما يكون عن أصول النقد بل الأدب!

جريدة الجريدة

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد