الكويت وداعش: – المدى |

الكويت وداعش:

تهديدات مستمرة وأخطار محيطة، فما العمل؟

دخل صديقي العراقي ‘الجنوبي’ إلى العراق عن طريق الكويت بعد سقوط بغداد وانهيار نظام صدام حسين بأبريل عام 2003. يقول صديقي: لقد راعني ما رأيت من رايات سوداء وعمام أكثر سوادا تجوب مدن البصرة والناصرية والنجف وكربلاء، ويضيف: أدركت ساعتها أن العراق والديمقراطية في اتجاهين متضادين تماما. ويسهب صديقي بقصص من كان يعرفهم من البعثيين وقد تحولوا بين ليلة وضحاها إلى شيوخ دين تلبس العمائم وتلطم بالمناسبات الدينية، ويرفعون شعارات ‘الثارات’ وحكم العراق للشيعة بعد أن ‘حكمها السنة’ النواصب أربعة عشر قرنا.
بعد عقد من الزمان، تغطي هذه الأيام رايات سوداء غرب وشمال العراق بشعارات دينية أيضا. بعثيون سابقون يبسملون ويحوقلون ويلبسون عمائم بيضاء في معظمها، وشعارهم دولة إسلامية تعيد ‘الحق لأصحابه’ وتطرد الصفويين –أي الشيعة الكفرة، وتقيم الدولة الإسلامية بالعراق وسوريا وتضم الكويت حسب خريطتهم المنشورة.
في الجنوب، يدق أهل الرايات السود طبول الحرب للتصدي للتكفيريين ولحماية المقدسات الشيعية منهم ودعوة للتعبئة والفداء في وجه داعش ومن معها من الإرهابيين وتحرير العراق منهم. وفي الشمال، أعلن النفير ودعا المنادي ‘بحي على الجهاد’ وارتفعت الرايات السود أيضا خفاقة تسعى للانتقام وتحرير العراق من رجس الصفويين وتسير نحو بغداد ومنه للجنوب كله وصولا للكويت.
في العراق، تنتقل البندقية من الكتف الأيمن إلى الكتف الأيسر بكل سهولة ويسر، فمن كان شعاره ‘وحدة حرية اشتراكية’ بالأمس القريب، أصبح شعاره بالجنوب شعارا دينيا بعلم أسود، وفي الشمال ارتفعت الرايات السود بشعارات دينية أيضا، والتقى الجمعان، وحمى الوطيس، وغنى على رؤوسهم الطير، ونعق غراب البين، ودخلوا في ‘صفين’ القرن الحادي والعشرين، وسخّر الدين والمذهب من أجل السلطة والسطوة. حلفاء المالكي بالأمس من سنة وشيعة انقلبوا ضده من ‘البليد’ علاوي الذي صدّق برئاسة مجلس السياسات، إلى المطلق المتقلب الذي ناهض المالكي ثم صار نائبا له، ثم عاداه، ثم وقف بين بين ‘لاني لهلي ولاني لحبيبي’ كما يردد العراقيون، وكذلك على الحاتم الذي يقود التمرد المسلح بالأنبار ضد المالكي، كان نائبا بقائمة دولة القانون، ثم انقلب عليه، بل حتى الصدر والحكيم، تارة يتحالفون مع المالكي وأخرى يحملون السلاح في وجهه كما حصل بصولة الفرسان، بل لعل أو اقتتال عراقي بعد سقوط صدام قام به الصدر وصدرت مذكرة قضائية صادرة بحقه لاتهامه بقتل السيد أحمد الخوئي بمرقد الإمام علي بالنجف.
فشل المالكي فشلا ذريعا في توحيد العراق، ويتحمل معظم وزر ما وصلت إليه الأوضاع من سوء وتردي ودمار، وهو ما جعل سنة الشمال والغرب مرتعا خصبا لداعش وبقايا البعثيين الذين لا ينقصهم تراث الدموية، ولا يترددون بارتكاب شنائع الأفعال ضد بعضهم بعض النظر عن مذهبهم.
لا مخرج للعراق إلا بمدنية الدولة وإلغاء المحاصصة الطائفية التي رسمها بريمر-حاكم العراق الأمريكي أثناء الاحتلال، ونفذها بكل غباء وجدارة وسبق إصرار وحمق ساسة عراق اليوم، ولكن هذا الأمر مسئولية العراقيين بالدرجة الأولى، وليست مسئوليتنا نحن بالكويت.
رسم العراقيون خارطة للعراق منذ أيام الملكية تضم الكويت، واعتبرها صدام حسين المحافظة التاسعة عشر يوم احتلها، وجاءت ما تسمى بداعش اليوم لترسم خارطة تضم الكويت ضمن طموحها المعلن بإقامة دولتها المزعومة، وهي مزاعم بضم الكويت قال بها الحزب الاجتماعي القومي السوري قبل سبعين عاما (أنظر خارطة داعش والحزب أدناه). مزاعم داعش هي أوهام لن تتحقق، وأحلامها أضغاث ستتلاشى بفعل الواقع، ومبالغات لا تعكس واقع العراق الطائفي الذي لا يتوانى أبناء الطائفة الواحدة بالاقتتال فيه طمعا بالسلطة والمال، لكن الحقيقة أن المنطقة كلها قد تكون في خطر، والكويت قد لا تكون بعيدة عن هذه الأخطار، والتصدي لها لا يأتي بالانتظار وإنما بالعمل والفعل وبسرعة قبل تسارع أحداث لا يمكن استقرائها والتنبؤ بها، ولعل في النقاط التالية ما يمكن أن يشكل خارطة طريق للأمن الاستراتيجي الكويت والخليجي بشكل عام:
1. العمل على تعزيز الجبهة الداخلية الكويت وإزالة التصدعات والشروخ وفتح صفحة جديدة بدايتها غلق ملفات الملاحقات السياسية وفتح حوار وطني شامل لا يستثني أحدا، يهدف لوضع مصلحة البلاد وأمنها الاستراتيجي فوق أي اعتبار، ويتناول أي من الملفات الشائكة التي قادت للشروخ بالصف الداخلي بروح من المسئولية والتوافق، وليس بعقلية التشفي والانتقام.
2. التعامل مع ملف التحويلات والشريط بشفافية ومصارحة وتشكيل لجنة من فريق محلي ودولي لكشف كافة الحقائق، وأن يراعى فيها الحيادية التامة لا أن تكون على مبدأ ‘الثعلب وشاهده’، لتجاوز هذه الملفات وإعادة ترتيب الأولويات.
3. تشكيل حكومة وطنية قوية تدرك خطورة وأهمية التطورات الإقليمية، فمن غير المعقول أن تبقى البلاد شهورا بوزارة مشلولة: بلا وزير عدل أو أوقاف أو حتى وزير تربية وتعليم عالي.
4. العمل بسرعة أكبر على لملمة الصف الخليجي وإنهاء الخلافات، وهو جهد قامت به الكويت وعمان مشكورتين ولا يزالان، ولكن الخلافات لم تنته مما يعرقل جهود العمل الخليجي المشترك، فالمركب واحد والأخطار تهدد الجميع بلا استثناء.
5. تعزيز الحياد الكويتي فيما يجري بالعراق بغض النظر عن الرأي أو الموقف من هذا الطرف أو ذاك، فالأطراف جميعا تعمل اليوم على تخريب بلادهم مع سبق الإصرار والترصد، بشعارات دينية متشابهة إلى حد كبير، وعلينا تجنب تهييج الشباب ونفث خطاب الكراهية للآخر، وعدم الزج بهم في أتون حروب طائفية لا طائل من ورائها، ولن يكون بها منتصر، فقد ينتهي العراق لما انتهت إليه سوريا، وقد يكون في طريقه للتقسيم، أو قد يؤول مصيره لمصير الصومال.
لقد تحمس كثيرون بالتورط بالقتال في سوريا رغم مناشدات الجيش السوري الحر بعدم إرسال مقاتلين لسوريا، فكانت النتيجة اقتتال الجماعات الدينية بأجندات مختلفة يصعب شرحها في هذه المقالة لكنها جميعا صبت في مصلحة نظام بشار.
المنطقة تتشكل، والحروب الطائفية تحرق الإقليم، وإيران متورطة حتى أذنيها بدماء الأبرياء، وتركيا مشلولة تتقدم بقدم وتتراجع بالأخرى، وأمريكا وإسرائيل شعارها ‘فخار يكسر بعضه’، ودول الخليج متفاوتة في أجنداتها بل وقراءتها المختلفة للأحداث بسبب الخلافات بينها.
ذهبت ملكية العراق وتلاشت معها خريطتها ومطالبتها بضم الكويت، وأعدم انطوان سعادة- مؤسس الحزب الاجتماعي السوري- ومعه أعدمت خريطته التي ضمت الكويت، وهلك صدام حسين شنقا، وشنق معه حلمه بضم الكويت محافظة تابعة للعراق، وسوف تتلاشى خزعبلات داعش مثل خزعبلات من سبقها ممن أرادوا بالكويت شرا، شريطة أن ننتبه وأن ندرك ما يحيط بنا، فهل نحن منتبهون؟

خريطة داعش

خريطة داعش

خريطة الحزب القومي الاجتماعي السوري

خريطة الحزب القومي الاجتماعي السوري

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد