كوريا الجنوبية.. قصة كفاح – المدى |

كوريا الجنوبية.. قصة كفاح

إنهاء حكم العسكر والانتقال للديمقراطية نهض بشعبها للقمم

كانت كوريا الجنوبية حتى بداية الستينيات معروفة بأنها واحدة من أكثر المجتمعات الزراعية الفقيرة. وقد انطلقت خطة التنمية الاقتصادية والصناعية منذ عام 1962م وفي أقل من أربعة عقود، استطاعت كوريا تحقيق ما يسمى (بالمعجزة الاقتصادية على نهر الهان-كانج) وهو نهر يجري في وسط العاصمة سول. فقد زاد اجمالي الدخل القومي الكوري من 2.3 مليار دولار في سنة 1962م إلى 477 مليار دولار عام 2002م واستمر في الزيادة حتى وصل إلى 931 مليار دولار عام 2005م وأصبحت كوريا الجنوبية واحدة من أكبر عشر اقتصاديات في العالم كما ارتفع نصيب دخل الفرد من اجمالي الدخل القومي من 87 دولارا عام 1962م إلى أكثر 19.4 ألف دولار أمريكي حاليا.

صراع سياسي:

 عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وانهيار اليابان التي كانت تفرض سيطرتها على شبه الجزيرة الكورية، تقاسم الحليفين الامريكية والسوفيتي ”ثمرة كوريا”، ليحكم السوفيت الجانب الشمالي، بينما فرضت الولايات المتحدة هيمنتها على الشطر الجنوبي، ليشكل هذا التقسيم أولي بذور تفتيت الدولة الكورية.

وفى البداية وعقب دخول الانقسام حيز الواقعية علي الأرض، حكم كوريا الجنوبية أول رئيس وهو ”روه سينج مان” بالديكتاتورية والاستبداد، ومع اقتراب فترة حكمه من النهاية فى عام 1960، قرر حزبه تعديل الدستور ليضمن له البقاء فى السلطة، ليخرج الشعب فى ثورة رفضا لاستمرار الوضع على ما هو عليه.

ولكن.. وقبل أن تنجح الثورة الشعبية فى القضاء على الديكتاتور، قام مجموعة من الضباط والجنرالات بقيادة الجنرال بارك شونج، بالاستيلاء على السلطة فى مايو 1961، ليعلنوا تركز كافة السلطات فى يد رئيس الجمهورية، وبداية ما سمي انذاك (تحديث كوريا) وسط دعم شعبي جارف.

ورغم نجاح حملة الارتقاء بالاقتصاد الكوري، الإ أن الشعب الكوري رفض الاستكانة لحكم الفرد الأوحد، مواصلا حملته لنيل الحرية والديمقراطية حتي نجح فى عام 1987 فى اقرار تعديلات دستورية تتيح اجراء انتخابات حرة، لينجح فى نفس العام ”روه تاي” فى الانتخابات.

وصدق او لا تصدق.. واجه الرئيس كثير من الاعتصامات والاضرابات والتظاهرات العمالية الفئوية، المطالبة بتحسن الأجور والمكافأت واستغلال الارتفاع الواضح فى الاقتصاد الوطني، ليواجه الرئيس هذه الاحتجاجات بالعنف المفرط، لتنتقل الرئاسة عن طريق الصندوق الانتخابي فى عام 1992، في مشهد أصبح طبيعيا فى الدولة الكورية الجنوبية حتى يومنا هذا.

أسس التنمية الاقتصادية:

ركزت الخطة الخمسية الأولى للتنمية (1962-1966م) على وضع اسس التصنيع. ونجحت الخطة في تهيئة البناء الصناعي لدولة تعتمد على الموارد الزراعية وتحويلها إلى دولة تقوم على التصنيع الحديث والتصدير، وفي خلال عملية التنمية الاقتصادية، قامت كوريا بتنفيذ نشاط صناعي شامل.

حيث انخفض نصيب الصناعات الأولية من البناء الصناعي الكلي من 31.5% في عام 1970م إلى 15.7% في عام 1980م، وانخفض مرة أخرى إلى نسبة 5% في عام 2002م. على الجانب الآخر، زاد نصيب السلع المصنعة في البناء الصناعي الكلي من 14.7% في عام 1970م إلى 36.0% في عام 2002م.

وقد اعتمد النمو الاقتصادي الكوري مبدئياً على الصناعات الخفيفة ذات الكثافة العمالية كصناعة النسيج على وجه الخصوص. وتم تغيير الصناعات الخفيفة بصورة منتظمة لتحل محلها الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية التي تمثل أكثر من نصف إجمالي الإنتاج الصناعي. وعلى سبيل المثال، فبعد اكتمال فرن كونج-يانج الثالث في ديسمبر 1990م، أصبحت كوريا من أهم المنتجين للصلب في العالم. تنتج كوريا كذلك أنواعا مختلفة من المعدات والآلات. كما وصلت صناعة السفن والسيارات إلى أعلى مستوياتها، في الوقت الذي أصبحت فيه الصناعات الالكترونية هي الرائدة في النمو وأهم عامل لتوفير النقد الأجنبي.

وجاءت كوريا في المرتبة السادسة بين أكبر مصنعي السيارات في العالم، حيث تنتج سنويا أكثر من 3 ملايين سيارة. ولمجابهة الطلب المتزايد على الوقود، تم تطوير مجمعات بتروكيماوية ضخمة مع تدعيمها بالعديد من مصافي البترول الكبيرة على طول المدن الساحلية للبلاد.

كما توجد العديد من الصناعات الأساسية لإنتاج الأسمنت، والأطعمة، والأسمدة الكيماوية، والخشب الحبيبي، والملابس، والسيراميك، والزجاج، والمعدات الزراعية والمعادن غير الحديدية.
وقد نمت كوريا بسرعة فاقت بها فترة الستينيات، حيث ساعدتها في ذلك معدلات الادخار والاستثمارات العالمية والتركيز القوي على التعليم.
وأصبحت كوريا العضو التاسع والعشرين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وذلك في 12 ديسمبر 1996م. وتعرضت التجربة الكورية الجنوبية لضربة موجعة عامي 1997 و1998م اللذين شهدا الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي ضربت النمور الآسيوية ككل فانخفض إجمالي الدخل القومي إلى 312 مليار دولار، كما انخفض نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي إلى 6744 دولار وذلك بسبب تذبذب معدلات الصرف الأجنبي.

وبعد التغيير الذي حدث في الحكومة الكورية عام 1998 جددت كوريا التزاماتها في العمل مع صندوق النقد الدولي والتطبيق الكامل للإجراءات الإصلاحية. وهكذا، فقد صممت كوريا على تبني هذه الإصلاحات الصارمة بهدف تجاوزها لأزمتها الاقتصادية.

وقد اتخذت القيادة الجديدة عدة خطوات بهدف تطوير الإصلاح في كل الميادين وبخاصة في القطاعات المالية، والشركات والقطاع العام والعمال بهدف إعادة كسب ثقة المستثمرين الأجانب وكذلك الالتزام بمبادئ السوق الحر وإعادة هيكلة الشركات الكورية العظمى المعروفة باسم (جيبول) وزيادة المرونة في سوق العمال. أما احتياطي البلاد من العملة الأجنبية فقد بلغ 3.8 بلايين دولار في نهاية عام 1997م، وقد ارتفع إلى 155.325 مليار دولار في نهاية عام 2003م وتمكنت البلاد من دفع قروض الطوارىء البالغة 13.5 مليار دولار.

وأعلن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 16 ديسمبر 1999م أن أزمة النقد الأجنبي التي واجهتها كوريا قد تم حلها بالكامل. وتم حفظ معدل الديون الكورية لتكون بمثابة أساس للاستثمار ورغم الطفرة الصناعية الهائلة التي حققتها كوريا الجنوبية خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين فقد تضاعف معدل الإنتاج الزراعي الكلي في كوريا خلال الخمسة عشر عاما الماضية. أما بالنسبة للواردات الكورية فقد زادت بمعدل منتظم بسبب سياسة التحرير التي طبقتها كوريا وزيادة مستويات دخل الفرد. وبوصفها واحدة من أكبر الأسواق المستوردة في العالم، فقد تجاوز حجم الواردات الكورية الواردات الصينية في سنة 1995م، واقتربت من الواردات الماليزية والإندونيسية والفلبينية.
هذا وقد شملت الواردات الرئيسية الكلية على المواد الخام التصنيعية مثل البترول الخام، والمعادن الطبيعية، والبضائع الاستهلاكية، والأغذية، والمعدات الالكترونية ومعدات النقل.
معدل الدخل الفردي في كوريا الجنوبية بلغ 24044 دولارا عام 2013. وكان معدل الدخل الفردي قد تجاوز 20 ألف دولار للمرة الأولى في عام 2007 مسجلا 21632 دولار،ا ولكنه انخفض إلى أقل من 20 ألف دولار في عامي 2008 و2009 بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية. واستعاد معدل الدخل الفردي نموه في عام 2010 ليتجاوز 20 ألف دولار، وراوح مكانه عند 22 ألف دولار، وارتفع بنسبة 9ر5% إلى 24 ألف دولارا العام 2013.

التعليم

لا يمكن الحديث عن المعجزة الاقتصادية والتكنولوجية التي حققتها كوريا الجنوبية خلال أقل من أربعة عقود دون التطرق إلى نظام التعليم بعد أن اتفق العالم على أن وراء كل نهضة اقتصادية واجتماعية نظاماً تعليمياً فعالاً.
وبالفعل تمكنت كوريا الجنوبية من جعل نظام التربية والتعليم بها أداة فعالة في مسيرة التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أرضها بعد أن عانى شعبها من الاحتلال والقمع على مدى عشرات وربما مئات السنين حتى بداية النصف الثاني من القرن العشرين. ويهتم النظام التربوي في كوريا الجنوبية باكتساب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية، والتطوير النوعي للتربية العلمية، فيهتم منذ مرحلة رياض الأطفال بتربية الأطفال وبناء أجسامهم وتنمية لغتهم وذكائهم وغرس قيم التكيف الاجتماعي في نفوسهم وسلوكهم.

والمرحلة الابتدائية في كوريا مرحلة إجبارية للجميع، ثم تأتي المرحلة المتوسطة لتكون إجبارية في بعض المناطق وبخاصة مناطق صيد الأسماك والمناطق الزراعية. وكدليل على مكانة التعليم لدى أبناء الشعب الكوري الجنوبي يكفي أن نعلم أن المرحلة الثانوية غير ملزمة وغير مجانية، إلا أن نسبة التحاق من أنهوا المرحلة المتوسطة والتحقوا بالثانوية تصل إلى 94%. وهناك عدة عوامل وراء هذه الحقيقة منها المرونة التي توفرها برامج المرحلة الثانوية والمتمثلة في التشعيب الموجود (أكاديمي – فني- مهني – مراسلة) كما أن أن المرحلة الثانوية تُعِدُّ الإنسان للدراسة وللحياة في آن واحد ثم إن نحو تسعين في المئة من خريجي التعليم المهني ينخرطون في سوق العمل، بينما يتجه الباقي منهم إلى مواصلة الدراسة. فضلاً عن أن المناخ التربوي، يجعل التعليم والثقافة المعاصرة فرصة سانحة من خلال الاستفادة من التلفزيون والإذاعة.

تستوعب المدارس الابتدائية أربعة ملايين طالب يمثلون 100% من الأطفال في عمر دخول المدرسة، إضافة إلى أربعة ملايين طالب كانوا في الوقت نفسه في المرحلة المتوسطة، ونحو 825 ألف طالب في المدارس الفنية والثانوية. يقف على رأس إدارة المدرسة الثانوية في كوريا الجنوبية مدير مسؤول لا يصل إلى هذه الدرجة إلا إذا أمضى خمسة وعشرين عاماً في مهنة التعليم.. وإن كان هذا الشرط يبدو قاسياً غير أنه يوفر الخبرة، ويرفع من كفاية عملية التعليم، ويزيد من فاعلية المدرسة في أداء وظيفتها. كما يحظى التعليم بنحو 21% من إجمالي الموازنة العامة للدولة. وأبرز ما يميز النظام التعليمي في كوريا الجنوبية ما يعرف باسم التوجيه والإرشاد الطلابي كجزء مهم في المنظومة التعليمية قلّما يلتفت إليه الباحثون والكتاب.

دخلت فكرة التوجيه والإرشاد الطلابي إلى كوريا الجنوبية عام 1949 على يد أحد الأساتذة ممن تخرجوا في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1954 تضمن برنامج تدريب المعلمين أثناء الخدمة مقرراً في الإرشاد والصحة العقلية.
وفي عام 1957 استحدثت وزارة التربية وظيفة المدرس المرشد، وبدأت برامج تدريب المدرسين في مجال التوجيه والإرشاد. وقد قامت كلٌّ من جامعتي (سول) الوطنية وجامعة كيني بوج الوطنية بتقديم برامج تدريبية أثناء الخدمة للمدرسين – المرشدين، وتضمنت هذه البرامج المقررات الآتية: سيكولوجيا السلوك الإنساني، وأسس التوجيه والإرشاد، وعلم نفس النمو، واختبارات المقاييس النفسية بالإضافة إلى الصحة العقلية. وقد انصب اهتمام المرشدين في السنوات الأولى على الاختبارات والمقاييس وبرامج الإرشاد المهني، وتمَّ بناء وحدة للاختبارات النفسية في كوريا.

التعليم المهني
ولكي يتم استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب للتعليم المهني ركَّزت برامج الإرشاد من خلال المرشدين على تأكيد سمو وأهمية العمل المهني لأنه أساس تطور البلاد، وقد واكب هذه الحملة الإرشادية بناء معاهد لتعليم المهن على أحدث طراز، ويضاهي مباني المدارس الثانوية، وزودت هذه المعاهد بكل ما تحتاجه من وسائل تعليمية ومرافق رياضية. وعلى الرغم من كل هذه الجهود فقد ظل الآباء والطلاب ينظرون إلى التعليم الثانوي الأكاديمي على أنه أعلى معنوياً من التعليم المهني، وظلت معاهد التعليم المهني لفترة من الزمان تعاني من قلة الإقبال عليها. وعلى الرغم من أن نظام التعليم ما قبل المرحلة الابتدائية ليس إلزامياً حتى الآن، إلا أن أهمية هذا النظام قد ازدادت في السنوات الأخيرة.

ففي عام 1980، وصل رياض الأطفال إلى 901 فقط في أنحاء كوريا كلها. وفي عام 2002م وصل عددها إلى 8343 روضة وتقوم الحكومة الكورية بتنفيذ مشروع شامل لمساعدة تربية تلاميذ رياض الأطفال منذ عام 1999 الذي يهدف إلى تربية أطفال الأسر ذات الدخل المنخفض، كما يقدم للأطفال المعدمين أفضل الفرص للتعليم قبل المرحلة الابتدائية من خلال إنشاء البيئة التعليمية العادلة. وقد وصلت نسبة الطلاب إلى المعلمين في المدارس الابتدائية إلى 58.8 طالباً للمعلم الواحد في عام 1960م. إلا أن هذه النسبة انخفضت إلى 28.1 طالباً للمعلم الواحد في عام 2002م. وبلغ عدد الطلاب في الصف الواحد 34.9 طالباً في عام 2002م. وانخفض هذا العدد إلى 31.2 طالباً في عام 2003م.

ويتعين على معلم المرحلة الابتدائية إكمال دراسته في كلية التربية مدة أربع سنوات. وتوجد أنواع متعددة من المؤسسات التعليمية العليا كما يأتي: الكليات والجامعات ذات البرامج التعليمية مدة أربع سنوات (كليات الطب وطب الأسنان ومدة الدراسة فيها ست سنوات)، كليات للمعلمين ومدة الدراسة فيها أربع سنوات، كليات الإعلام، الجامعات المفتوحة، مدارس متنوعة في مكانة الكليات ومدة الدراسة فيها سنتان أو أربع سنوات مثل مدارس التمريض ومدارس الدراسات اللاهوتية والكليات المهنية مدة سنتين). وفي عام 2002م وصل عدد معاهد التعليم العالي إلى 358 معهداً في كوريا ويدرس فيها 3.31 ملايين طالب و59750 عضواً في هيئة التدريس.
يخضع نظام التسجيل في الكليات والجامعات إلى قواعد صارمة من حيث إن قبول الطلبة في الجامعات يقرر طبقاً لدرجات الطلبة في المدارس الثانوية، ونتيجة الاختبار الوطني. وبالإضافة إلى ذلك، يتطلب الالتحاق ببعض الكليات والجامعات المرور باختبار كتابة المقال الإضافي الذي تديره هذه الكليات والجامعات منذ 1996م.

وأخيراً يمكن القول إن كلفة التعليم بالنسبة إلى الأسرة الكورية الجنوبية ليست بسيطة، لكنها في الوقت نفسه ليست مرتفعة بصورة تجعل المواطن العادي غير قادر على توفير فرصة التعليم الملائمة لأطفاله. وينبع الاهتمام بالتعليم في كوريا من الفلسفة الكونفوشيوسية التي تقول إن التعليم هو المفتاح الوحيد للنجاح في المستقبل والحاضر. وهناك مذهب مثالي يقول إن هدف التعليم هو استفادة كل الجنس البشري.. وما زالت هذه التقاليد قائمة في الحياة الاجتماعية للشعب الكوري.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد