أزمة الميزانية في أمريكا – المدى |

أزمة الميزانية في أمريكا

تتكبّد 300 مليون دولار يومياً لعدم الاتفاق على رفع الدَّين

 

تظهر أمريكا عكس ما تخفي، فيما ترتدي دوما مسوح الدولة العظمى والقوى الكبرى في العالم ، تمر الدولة بمنعطفات كثيرة لا تستطيع مجابهتها، فعندما أغلقت مؤسسات الحكومة الأمريكية أبوابها بسبب أزمة الميزانية وفشل الكونجرس في تمرير ميزانية قصيرة الأجل قبل بدء العام المالي الجديد أول أكتوبر الحالي، أصاب التشوش الرسالة الأمريكية للعالم. 
وقد وصف هاري ريد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ المعارضين الجمهوريين بأنهم ‘فوضويون’ ‘وجمهوريو موز’ في إشارة إلى جمهوريات الموز وهو الاسم الذي يطلق على بعض الدويلات والدول الصغيرة غير المستقرة في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية. وتساءلت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية ماري هارف عن ردود الأفعال الدولية إزاء الميزانية، قائلة إن إغلاق مؤسسات الدولة ينسف الرسالة الأمريكية إلى العالم.

وقالت هارف ‘نرى بشكل عام الفكرة ولكن هناك شعوب حول العالم لا تفهم لماذا لا نستطيع الآن تشغيل مؤسسات الدولة بصورة منتظمة.. إن فكرة إغلاق مؤسسات الدولة مثيرة للارتباك بالنسبة للكثير من الشعوب من وجهة نظري’. وأشارت المتحدثة باسم الخارجية إلى حالة سيريلانكا لكي تظهر حجم الفجوة بين الرسالة التي تحاول واشنطن توجيهها للعالم والواقع الفعلي في ضوء أزمة الميزانية. وقالت هارف إن الولايات المتحدة تحث الحكومة السيريلانكية على ضرورة تبني مبدأ المصالحة والخضوع للمحاسبة وهو ‘أمر نهتم به كثيرا’.

وتظهر قصاصات الصحف السيريلانكية التي وضعت على مكتب المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية حجم السخط الذي تشعر به شعوب الديمقراطية الصاعدة في العالم . وهي ترى الولايات المتحدة عاجزة عن إدارة شؤونها وحل مشكلاتها. وقالت افتتاحية إحدى صحف سريلانكا ‘علينا إعادة تغليف النصيحة الأمريكية بشأن الحكم الرشيد وإعادتها للمرسل’. وقالت هارف ‘حتى الآن لم نكن أبدا على مستوى المعايير التي وضعناها’. وأضافت ‘سنواصل العمل مع الكونجرس لإيجاد طريق للخروج من الموقف الذي نواجهه لأن هذا هو أفضل ما يخدم مصالحنا جميعا’.

على الجانب الاخر ، توقع الدكتور نيل جيل المستشار الاقتصادي للرئيس السابق للبنك الدولي، أن الخطر على الاقتصاد العالمي لم يحدث بعد، ولكن إذا تواصلت أزمة الميزانية الأمريكية، وأخذت منحنيات أكثر سوءا بعدم توصل الجمهوريين والديمقراطيين لاتفاق على رفع سقف الدين، فإن كرة الثلج ستكبر وستطول الجميع.

وتأتي تلك المخاوف التي أعرب عنها جيل، في أعقاب فشل المحادثات بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وخصومه من أعضاء الكونجرس من الجمهوريين في إنهاء تعطيل إدارات الدولة الاتحادية، فقد فشل الجمهوريون والديمقراطيون في الكونجرس في الاتفاق بشأن الميزانية في الأول من أكتوبر، مما دفع الحكومة الاتحادية على تعطيل جزئي بإجبار نحو 900 ألف موظف من أصل مليوني موظف يعملون في أجهزة الدولة الاتحادية على إجازة مفتوحة بدون أجر، لحين التوصل إلى حل. وبدا أول انعكاسات الأزمة الأمريكية واضحا على أسواق الأسهم الدولية، حيث انتابت الأسواق حالة من التذبذب في اتجاه الانخفاض، خاصة أن توقف الأنشطة الحكومية الأمريكية أدى إلى تأجيل بيانات الوظائف غير الزراعية التي تراقبها الأسوق من كثب، التي كان مقررا إصدارها يوم الجمعة الماضي. وتمثل البيانات عاملا مهما سيأخذه مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) في الحسبان لاتخاذ قراره بشأن سحب التحفيز النقدي، لكن التراجع الراهن في أسعار الأسهم في البورصات الآسيوية والأوروبية لا يمثل خطرا داهما بالنسبة لتيم هامس المحلل الاقتصادي في بورصة لندن، الذي يرى أن نسبة التراجع لا تتجاوز 0.1 في المائة بالنسبة للشركات الكبرى، وهي نسبة ضئيلة، ويعلق تيم على ذلك لـ ‘الاقتصادية’ بالقول إن التراجعات الكبرى في أسعار الأسهم تحدث عادة من جراء الأخبار المفاجئة أو غير المتوقعة أو المخالفة للتوقعات، فعلي سبيل المثال عندما دخل العالم في أزمة اقتصادية عام 2008، لم يكن أحد يتوقع ذلك، فانهارت البورصات تقريبا، وفقد مؤشر داو جونز في حينها نحو 5000 نقطة في يوم واحد، أما الأزمة الراهنة فإن الجميع كان يتوقعها من جراء محاولة اليمين الأمريكي عرقلة مشروع الضمان الصحي للرئيس أوباما، ولهذا لم تفاجأ الأسواق كثيرا بالأزمة واستطاعت أن تستوعبها.

الدكتور نيل جيل يتفق مع وجهة تيم بشأن أن غياب عنصر المفاجأة في عدم اتفاق الكونجرس على الميزانية الأمريكية أنقذ أسعار الأسهم العالمية من التراجع الحاد، لكنه يعتبر أن فشل الكونجرس في التوصل لاتفاق بشأن رفع سقف الدين قد يؤدي إلى تراجعات ‘مؤلمة’ في البورصات العالمية، ويعلق لـ ‘الاقتصادية’ قائلا ‘تصريحات رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد بأن الاقتصاد العالمي سيعاني بشكل سيئ إذا ما فشلت أمريكا في الاتفاق بشأن رفع سقف الدين، أكثر من معاناته من فشل الكونجرس والرئيس في الاتفاق على الميزانية، ما يكشف عن القلق الذي ينتاب كبار الاقتصاديين في العالم من التداعيات الضخمة التي سيواجهها الاقتصاد الدولي بسبب الخلافات الداخلية في أمريكا. وأضاف أنه بحلول 17 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي لن تتوافر لدى واشنطن القدرة النقدية لدفع ما عليها من فواتير إذا لم يتم رفع سقف الدين، وهذا الوضع يقلق حاليا الأسواق العالمية، وهو ما يتضح في قدرة واشنطن على الاقتراض في الوقت الراهن، فحاليا تدفع واشنطن بشكل أقل لتقترض لفترة ستة أشهر عما تدفعه لتقترض لمدة شهر، وهو ما يعكس قلق المقرضين الدوليين من قرب مواجهة أمريكا أزمة سقف الدين، وهو ما يثير شكوكاً حول سندات الخزانة الأمريكية لمدة شهر واحد.

ويعلل ذلك بمزيد من التفصيل بالقول إن وزير الخزانة الأمريكية أبلغ المعنيين من أعضاء الكونجرس بأنه في يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي لن يتوافر لديه غير مبلغ 30 مليار دولار، بينما إنفاق أمريكا قد يصل في بعض الأيام إلى حدود 60 مليار دولار، حتى وإن تحايل على ذلك ببيع بعض المخزون الأمريكي من الذهب، فإن عليها سداد 12 مليار للضمان الاجتماعي في 23 تشرين الأول (أكتوبر)، وستة مليارات في 31 من الشهر ذاته كفوائد على سندات الخزانة، وإذا فشل في سدادها فإن هذا يعد أمراً شديد الخطورة اقتصاديا.

وتشرح جاسيكا براون، من الأكاديمية الاقتصادية الدولية، المخاطر المستقبلية بالقول إن عجز واشنطن عن دفع الفوائد على سندات الخزانة، سيرسل إشارات سلبية إلى المقرضين الدوليين، بعدم قدرة الاقتصاد الأمريكي على سداد ما عليه من التزامات مالية، مما سيرفع بشدة سعر الفائدة على عمليات الإقراض لأمريكا، وهو ما سيضع مزيدا من الضغوط على الميزانية الأمريكية مستقبلا. وتضيف لـ ‘الاقتصادية’: الأمر لن يتوقف عن هذا الحد، فمجمل عملية استعادة التحسن الاقتصادي التي تسعى إليها إدارة أوباما للخروج من الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت عام 2008 سينهار، فارتفاع أسعار الفائدة يعني تراجع النشاط الاقتصادي للمستثمرين وللعقارات، مما يعني انخفاض النمو، أضف إلى ذلك أن المصارف هي أكثر من يحتفظ بسندات الحكومة الأمريكية، وعدم قدرة واشنطن على دفع فوائد السندات، يعني انخفاض أسعارها ومن ثم انخفاض إجمالي السيولة المالية المتاحة للمصارف للإقراض، مما يعني تجميد أو تراجع القروض الائتمانية. وإذا كان غياب الاتفاق على الميزانية الأمريكية دفع بالبيت الأبيض إلى أن يعمل حاليا بـ 25 في المائة من موظفيه فقط، فإن التكلفة الواقعة على عاتق الاقتصاد الأمريكي جراء هذه الأزمة تبلغ 300 مليون دولار يوميا، وهو ما جعل بعض الاقتصاديين يقدرون أن التآكل الذي يصيب الناتج المحلي الإجمالي من جراء هذا الوضع يبلغ 0.2 في المائة أسبوعيا، ومن ثم فإن استمرار الأزمة وتواكبها مع عدم الاتفاق على رفع سقف الدين، فإن الاقتصاد الأمريكي والدولي سيكونان على شفا كارثة حقيقية. وحذر تقرير لوزارة المالية الأمريكية من الحالة الراهنة بالقول ‘هذا وضع غير مسبوق ويمكن أن يكون كارثيا، فأسواق الائتمان يمكن أن تجمد، قيمة الدولار قد تنخفض، ومعدلات الفائدة في الولايات المتحدة سترتفع بسرعة الصاروخ، والآثار السلبية لهذا سيتردد صداها في جميع أنحاء العالم، وربما يكون هناك أزمة مالية وركود أسوأ مما حدث عام 2008، وإذا وصلنا لهذا الوضع فإن التأثير الكارثي سيستمر لأكثر من جيل.

ووسط هذه الأجواء من التوتر والقلق فإن تأثير الأزمة الأمريكية الراهنة في الأسواق العربية يظل محل تساؤل واستفسار، وقد تباينت آراء الاقتصادين العرب في لندن حول التداعيات، فبينما اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور خليل الحسني أن الأزمة في وضعها الراهن لها تأثير ضئيل ومحدود في الاقتصاد العربي، فإنه يعتقد أن دخول واشنطن في أزمة أخرى وهي سقف الدين سينعكس بقوة على رؤوس الأموال العربية وخاصة الخليجية.

ويؤكد الدكتور خليل الحسني أن البلدان الخليجية تحتل المرتبة الرابعة بين بلدان العالم في الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية، وعدم قدرة واشنطن على دفع الفوائد واجبة السداد على هذه السندات سيعني خسائر مالية ضخمة لبلدان مجلس التعاون الخليجي، كما أن تراجع قيمة السندات سيزيد من حدة الخسائر المالية الخليجية، ويضيف أن إجمالي الاستثمارات الخليجية في أمريكا وحول العالم مقيمة بالدولار يمكن أن تتعرض لخسائر ضخمة إذا ما تراجعت قيمة الدولار خلال الأيام المقبلة. ومع هذا فإن المحلل المالي ناصر العيساوي يعتقد أن الأزمة ليست كلها سلبية على دول مجلس التعاون الخليجي إذا ما استطاعت التفكير خارج المنطق الاستثماري التقليدي، بل يمكن أن تمثل من وجهة نظره فرصة للدول الخليجية لتعزيز وجودها الاقتصادي في الولايات المتحدة ودول العالم المختلفة، ويعلل ذلك بالقول إن السيولة المالية لدى بلدان مجلس التعاون الخليجي مرتفعة للغاية، والأزمة التي تشهدها واشنطن إذا تفاقمت ستؤدي لانخفاض ملحوظ في قيمة الاستثمارات الخليجية في أمريكا، ومن ثم لن يكون مجديا للخليجيين التخلص من تلك الاستثمارات في ذلك التوقيت، بل على العكس فإن الأسعار ستتراجع بشدة في في الولايات المتحدة، ولهذا فمن الأجدى زيادة استثماراتهم فيها مستغلين ما لديهم من سيولة مالية، فالأزمة أياً كانت حدتها ستكون مؤقتة، وسيكون بمقدور رؤوس الأموال الخليجية تعويض خسائرها الراهنة في الأجل المتوسط. وإذا كانت الأسواق الدولية تهيمن عليها حالة من الترقب القلق لما ستؤول إليه الأوضاع في أمريكا بسبب أزمة الميزانية الأمريكية، والمخاطر الناجمة عن عدم الاتفاق على سقف الدين، فإن عددا من كبار الاقتصادين ورجال الأعمال والسياسيين حول العالم لا تزال تسود لديهم قناعة بأن أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري سيتوصلون إلى حل للأزمة قبل يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، نظرا للمخاطر التي يعنيها تواصل الخلاف بينهما، إلا إذا قرروا اللجوء إلى ‘خيار شمشون’ وهدم المعبد على رؤوس الجميع بما فيها رؤوسهم أيضاً.

لماذا ستخرج أمريكا وأوروبا أقوى من الأزمة المالية؟

فيما يرى ‘روجر سي التمان ‘ – متخصص في استشارات الاستثمارات البنكية – أنه كان للأزمة المالية لعام 2008، والكساد الكبير الذي أعقبها آثار مدمرة على الاقتصاد الأمريكي، وكذا على الملايين من الأمريكيين. لكن، رغم كل ذلك، سيخرج الاقتصاد الأمريكي من هذه الوعكة معافى ومهيكلا على نطاق واسع. كذلك، يفترض أن تسلك أوربا نفس المصير، وأن تخرج هي الأخرى بأقل الأضرار، لكن ذلك ليس مؤكدا بحسب المؤشرات المستقبلية، إذ أن عافيتها وتطورها من جديد يتطلب وقتا أطول.

وفيما يبدو، فإن الولايات المتحدة هي أبعد ما يكون من ذلك بكثير، لأن أزمتها المالية اشتعلت ثلاث سنوات قبل أن تُعلن في أوروبا في 2008، مسببةً رياحاً معاكسة استمرت في الضغط عليها منذ ذلك الحين. ويتطلب الأمر سنتين إلى ثلاث سنوات فأكثر لتهدئة الوضع الحالي، لكن، في أفق ذلك، يفترض أن تفوق وتيرة نمو الاقتصاد الأمريكي كل التوقعات. في المقابل، لا تزال أوروبا غارقة في أزمتها المالية. وإذا ما حاولنا أن نُؤول الوضع وفق منطق تاريخي، فإن أوربا يلزمها من أربع سنوات إلى ست لضمان تحقيق نمو أوروبي قوي.

في الحقيقة، يبقى السبب الوحيد والرئيسي وراء هاته التعزيزات التي تروم تقوية اقتصاديات كلتا المنطقتين هو أن سنوات الأزمة قد أثارت ضرورة إعادة هيكلة اقتصادية واسعة. إن التغيرات الشاملة في مالية الحكومة والنظم البنكية والصناعة كلها في طور الإنجاز على شاكلة الإصلاحات التي تروم إعادة هيكلة أسواق العمل. كل هذا يثبت مرة أخرى أن أسواق رأس المال العالمية – القوة الاقتصادية الأقوى على البسيطة – يمكن أن تؤثر على التغيرات التي تتجاوز قدرة العمليات السياسية العادية، وفي هذه الحالة، يمكن أن تدحض كل توقعات التدهور الاقتصادي عند الغرب.

ستزداد قوة المنطقتين لسبب أساسي: كانت سنوات الأزمة كفيلة بفرض إعادة هيكلة اقتصادية واسعة. أصبحت التغييرات الجارفة في مالية الحكومات والأنظمة المصرفية وقطاع التصنيع قيد التنفيذ، وينطبق الأمر نفسه على الإصلاحات البنيوية في أسواق العمل. تثبت هذه التطورات كلها مجدداً أن أسواق الرساميل العالمية (أهم قوة اقتصادية في العالم) تستطيع فرض تغييرات بما يفوق قدرة العمليات السياسية العادية. في هذه الحالة بالذات، يمكنها أن تدحض جميع التوقعات المتعلقة بالانهيار الاقتصادي الغربي. في السنوات المقبلة، قد تصبح الولايات المتحدة وأوروبا مجدداً محرك النمو الاقتصادي العالمي.

في الواقع، وفي السنوات الآتية المقبلة، يمكن للولايات المتحدة وكذا أوروبا أن تصبحا مرة أخرى قاطرات للنمو الاقتصادي العالمي. هذا لا يعني أن الأزمات استحقت كل هذا العناء؛ لم تكن هكذا بكل تأكيد. هناك معانات واضحة في كلتا ضفتي الأطلنطي بسبب البطالة وكذا تدابير التقشقف الحكومية. إنه لمن المؤسف أن كثيرا من الناس قد فقدوا وظائفهم ولن يفلحوا أبدا في استعادتها. اجتماعيا، يلاحظ أن هاته الأزمات قد زادت من حدة عدم تكافؤ الدخل؛ فما وقع قد وقع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو إلى متى سيطول وقعها؟

حافظ اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية على وتيرة توسعه – رغم الانقطاعات الغير المنتظمة – منذ حالة الركود التي عرفها في يونيو 2009. في هذا الخضم، ترسم أوروبا معالمها على خطى جدول زمني مختلف تماما. على عكس تلك الموجودة في الولايات المتحدة، لم تنفجر النظم المالية في أوروبا سنة 2008. ورغم وجود مشاكل عويصة وحادة في إيرلاندا والمملكة المتحدة، لم تستطع أسواق رأس المال أن تثور ضد أوروبا كلها، وبالتالي، لم يحصل هناك أي رد فعل مالي أو نقدي قوي. ليس مثل عام 2012، عندما ضربت الديون السيادية والأزمات المصرفية بكامل قوتها القارة الأوروبية لتواجه منطقة اليورو مشاكل مماثلة لتلك التي لحقت بالاقتصاد الأمريكي سنوات 2008 و2009.

حاليا، رغم ذلك، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو يواصل تراجعه، فيما لم يصل الركود الاقتصادي بعد إلى أدنى المستويات. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فبعد أن شهدت الأزمة الأولى، فقد صار طريقها إلى الانتعاش قصيرا. وإذا ما استطاعت الدول الأوروبية أن تعيد هيكلة اقتصاداتها بنجاح على غرار ما فعلته الولايات المتحدة، آنئذ، سوف تكون هناك بوادر للتفاؤل. يزعم خبيري الاقتصاد كارمن راينهارت (Carmen Reinhart) و كينيت روغوف (Kenneth Rogoff) أن فترات الانتعاش الاقتصادي بعد الأزمة المالية ستكون أبطأ وأطول وأكثر اضطرابا من تلك التي تلت فترات الركود الناجمة عن دورة الأعمال التجارية. ما يؤكد هذه الفرضية حقيقة هو وثيرة الانتعاش البطيئة جدا في الولايات المتحدة والضغط الاقتصادي الحاد في أوروبا. فالتاريخ مليء بأمثلة من الدول التي نمت اقتصاداتها بشكل قوي في أعقاب الانهيارات المالية التي ضربتها.

بعد الأزمة المالية الآسيوية لسنوات 1997 و1998، قبلت كوريا الجنوبية بخطة الإنقاذ الصعبة التي اقترحها صندوق النقد الدولي، ومن ثم قوت نظمها المالية، وزادت من مرونة أسواق العمالة فيها. بعد ذلك بوقت قصير، استطاعت أن تحقق طفرة اقتصادية واضحة المعالم. في المكسيك، كان أداء الاقتصاد جيدا أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار قيمة البيزو (عملة المكسيك) وبعد حزمة الإنقاذ الأمريكية لسنة 1994. نفس الظاهرة حدثت في أجزاء من أمريكا اللاتينية عقب أزمة الديون السيادية أواخر الثمانينات. فعلى الرغم من أن هذه الأزمات المالية كانت أضعف وقعاً بكثير من انهيار 2008 في الولايات المتحدة، فقد اتبعت هذه الدول نفس المنوال في الوقت الذي رفضت فيه أسواق الرأسمال النظام القديم – ومن تم حملها برامج رئيسية لإعادة هيكلة اقتصادية.

إعادة هيكلة أمريكا

لماذا ستمكن الأزمات الحالية في نهاية المطاف من تقوية اقتصادات كل من الولايات المتحدة وأوروبا؟

في الولايات المتحدة، سيحصل ازدهار ملحوظ بسبب تعافي قطاع الإسكان الواعد، والثورة في إنتاج الطاقة، ونظام مصرفي نموذجي وكذا زيادة فعالية قطاع التصنيع. وفي الوقت نفسه، زادت إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما لولاية ثانية، وكذا ‘الهاوية المالية’ (fiscal cliff)، التي تلوح في الأفق، من حظوظ خوض صفقة كبرى للحد من العجز وإيجاد حل لمشكلة الديون في البلاد.

قبل الأزمة الأخيرة، تضخّمت فقاعة الإسكان بنسبة هائلة لدرجة أن القطاع انهار كلياً حين انفجرت تلك الفقاعة. صحيح أن انهيار الإسكان كان كارثياً بالنسبة إلى ملايين أصحاب المنازل الذين ما عادوا يستطيعون دفع رهونهم، لكن انتهت بذلك أيضاً الانتهاكات والتجاوزات التي طبعت هذا القطاع طوال سنوات. نتيجةً لذلك، أمضت البنوك الأميركية السنوات الأخيرة وهي تحسّن معايير اكتتاب الرهون وأسواق التوريق، وأصبحت مواقف الأسر تجاه الرهون وتعزيز المساواة بين العائلات صحية أكثر من السابق. اليوم، بدأ قطاع الإسكان أخيراً يتخذ منعطفاً مختلفاً، فقد ارتفع بنسبة 8% منذ مارس 2012.

ثانياً، تنتج تقنيات تكنولوجية جديدة تحولاً مدهشاً في قطاع إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة. ساهمت التقنيات المتقدمة والمقاربات المبتكرة في التصديع الهيدروليكي والحفر الأفقي في استكشاف رواسب الطاقة التي كانت مجهولة أو يصعب الوصول إليها في السابق. نتيجةً لذلك، كان التعافي هائلاً في قطاعَي الغاز الطبيعي والنفط. في المرحلة المقبلة، تشير توقعات وزارة الطاقة الأميركية إلى أن إنتاج الهيدروكربون السائل الأميركي سيرتفع بمعدل 500 ألف برميل إضافي في عام 2013، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تتفوق الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر دولة منتجة للنفط في العالم بحلول عام 2017 تقريباً.

ثالثاً، رغم الحملة الدعائية السلبية، جرت إعادة رسملة النظام المصرفي الأميركي وأُعيدت هيكلته بشكل مكثّف منذ عام 2008. تجاوزت أبرز البنوك أصعب الاختبارات والضغوط بكل ثبات تحت إدارة الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وكان من المفاجئ أن تؤمّن تلك البنوك معدلات الرساميل المطلوبة وفق الإطار التنظيمي الدولي «بازل 3» قبل الموعد المحدد. وقد أصبحت البنوك المتوسطة الحجم أفضل حالاً أيضاً.

رابعاً، أدى «الركود العظيم» ضمناً إلى تعزيز الفاعلية في قطاع التصنيع الأميركي. تراجعت تكاليف وحدات الإنتاج بنسبة 11% في الولايات المتحدة مقارنةً بالتكاليف التي كانت قائمة قبل 10 سنوات، مع أنها تتابع ارتفاعها في بلدان صناعية أخرى. على صعيد آخر، بدأت الاختلافات بين تكاليف العمالة في الولايات المتحدة والصين تتقلّص تدريجاً. أضاف الاقتصاد الأميركي نصف مليون عمل في قطاع التصنيع منذ عام 2010 ويُفترض أن يستمر هذا النمو لعدد من السنوات.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد