مسرحية «الرحمة».. نص فلسفي صعب فك رموزه المخرج بإتقان – المدى |

مسرحية «الرحمة».. نص فلسفي صعب فك رموزه المخرج بإتقان

نجاح أي عرض مسرحي يستند بالدرجة الأولى إلى الاختيار الواعي للنص المسرحي، وهذا الاختيار يكون وراءه مخرج مدرك لأبعاد المعاني التي يحملها النص، وقادر على تحويل حواراته إلى فعل نابض على خشبة المسرح من خلال عدة أدوات، تبدأ باختيار الممثلين الذين يجسدون شخصيات النص، مرورا بالديكور والإضاءة والمؤثرات الفنية من صوت وإضاءة وأزياء وسواها، تجتمع لتقدم رؤية المخرج.
هذا الأمر ينطبق تماما على عرض «الرحمة» الذي قدمته مساء أمس فرقة المسرح الكويتي على مسرح الدسمة، مختتمة عروض المسابقة الرسمية لمهرجان الكويت المسرحي في دورته الثامنة عشرة التي تختتم فعالياته يوم الجمعة المقبل بإعلان الجوائز، ولا نعتقد أن معظم جوائز المهرجان ستبتعد عن هذا العرض، وربما يحصد جائزة أفضل عرض وأفضل ممثل أول وأفضل سينوغرافيا وغيرها من جوائز.

النص أولاً

اختار المخرج الدكتور مبارك المزعل نص «الرحمة» للكاتب عبدالأمير شمخي، وهو ليس غريبا على المسرح في الكويت وتحديدا فرقة المسرح الكويتي التي حصدت العديد من الجوائز بنصوص للمؤلف شمخي.
الدكتور مبارك المزعل اختار نص «الرحمة» وهو يدرك تماما أنه أمام نص صعب يستفز المخرج، ويحتاج إلى أدوات عدة كي يقترب من جمهور الصالة، والنص الذي نحن أمامه تكمن صعوبته أولا في أنه يحتاج إلى جمهور معين يفك رموزه، وهنا راهن المزعل على النجاح بعد ان استهوى لعبة التحدي، وأرى أنه نجح تماما في تحديه.
النص يطرح العديد من التساؤلات حول الشخصية المحورية فيه، والتساؤل الاصعب ماذا يعني المؤلف بالشخصيات التي ظهرت كظلال لثلاثة؟ ولماذا هي ثلاثة؟ وماذا يعني بالمرأة وصرخة الطفل؟ وماذا؟ وماذا؟ وماذا؟

لعبة جديدة

والسؤال الأهم في النص: هل تخلى المؤلف عن لعبته التي كررها في عدة أعمال بإدانة الطاغية؟ وهل نحن أمام طاغية من نوع آخر؟
الشخصية الرئيسية في النص لرجل أناني عاجز لا قدرة له على مواجهة الحياة، وليست لديه قدرة على حماية زوجته ولا نفسه. شخص مهزوم، وهذا الشخص المهزوم نراه في العديد من الأماكن، يعيش بيننا ولا يحس به أي أحد، حتى أنه يموت من دون أن يترك أي أثر.
إنها لعبة مسرحية محكمة تستفز المتابع وتجعله ينتظر نهايات هذا الرجل الذي تطارده ظلاله، والنص أشار إلى ثلاثة ظلال ضمن رحلة هذا الرجل المنهزم الأناني الذي لم يفعل أي شيء في حياته، واعتقد أن المؤلف يريد القول إن هناك العديد من صور الظلال التي تطارد الإنسان ولا يمكن له التخلص منها إطلاقا، ليس ظلا واحدا ولا اثنين ولا ثلاثة، بل الكثير الكثير.
وفي مثل هذا النص يحتاج الناقد إلى التوقف عند كل جملة أو حوار في النص، لأن المؤلف لم يضعها عبثا، بل كان لكل عبارة وحوار معناه.
أعتقد أن المؤلف قدم لنا صورة أخرى مختلفة لنوع آخر من الشخصيات، بعيدة عن صورة الطاغية الذي يفرض رأيه وجبروته على شعبه، فنحن أمام شخص مهزوز مهمش يعيش في ضياع لا يمكن له الدفاع عن أقرب الناس إليه.

قراءة مخرج

أشرنا إلى ان الدكتور مبارك المزعل كان مدركا تماما لصعوبة النص الذي أمامه، ولكنه امتلك رؤية واضحة وفق أسلوب منهجي لتفسير حوارات واحداث النص، واقترب كثيرا منه، ولعل اختيار السينوغرافيا كانت أحد الحلول، ولأول مرة يقدم الفنان فيصل العبيد رؤية في السينوغرافيا لا تعتمد على الابهار، بل اعتمد على لغة الالوان، خاصة اللون الازرق الفاتح ليلعب لعبة المتعة والجذب لجمهور الصالة، ساهمت في ذلك القراءة الواعية لمهندس الازياء فهد المذن الذي اعتمد على الاسلوب السهل الممتنع في تقديمه لأزياء تحاكي مفردات النص، إلى جانب التناسق الواضح والانسجام بين المؤثرات الموسيقية للفنان خميس الخميسي، والإضاءة المعبرة للفنان عبدالله النصار.
هذه الرؤية تكاملت إلى حد بعيد مع الأداء الراقي لفريق التمثيل، الذي قدم تناغما في الفعل والحركة على خشبة المسرح، حول العرض إلى متعة على الرغم من صعوبة النص وصعوبة حواراته، كل ذلك لأن المخرج أدرك كل المواقع التي يمكن له أن يلعب فيها من خلال تفسيره للنص.
أداء متناغم ومميز لفريق العمل، خاصة الفنان الموهوب علي الحسيني الذي تحمل العبء الأكبر على خشبة المسرح، وكان زملاؤه الآخرون في الموعد وهم سماح التي تزداد ثباتا على خشبة المسرح يوما بعد آخر، مرورا بالأسماء الأخرى إبراهيم الشيخلي، سعود بو عبيد، عبدالله الحسن، مهدي القصاب.
العرض المسرحي حمل أسماء أخرى فاعلة، مثل موسى بهمن مساعد المخرج، وخالد المفيدي في التدقيق اللغوي، وأيضا الفنان فيصل العبيد المشرف الفني.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد