شبح القذافي يطارد ساركوزي – المدى |

شبح القذافي يطارد ساركوزي

بعد تحقيق استمر ستة أعوام حول علاقة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومزاعم تمويله حملته الانتخابية لعام 2007، نشر الكاتبان فابريس أرفي وكارل لاسك، اللذان يعملان صحافيين في موقع ميديابارت الشهير، نتائج عملهما وما توصلا إليه من خلاصات في كتاب صدر مطلع الشهر الجاري تحت عنوان «مع مجاملات القائد – ساركوزي القذافي التاريخ السري»..

يعد كتاب «مع مجاملات القائد -ساركوزي القذافي التاريخ السري»، الكتاب الثاني، الذي الذي صدر هذا الشهر في فرنسا حول الزعيم الليبي السابق بعد كتاب «القذافي» لمؤلفه فانسان هوجو، ويقول الكاتب الفرنسي فرانك جوهانز في مقالة نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية إنه يصعب على من يتم قراءة كتاب «مع مجاملات القائد» أن يشك في أن القذافي هو من مول حملة الانتخابات الرئاسية لنيكولا ساركوزي في 2007 وإن كان القضاء الفرنسي لم يصدر بعد أحكاماً نهائية ضد الرئيس السابق الذي يكذب دوماً هذه الإدعاءات وينفيها.
حين نشرت أولى المعلومات عن تمويل ليبيا لساركوزي، لم تكن الأمور مكشوفة وواضحة، لكن الشكوك زادت يوماً بعد يوم. واليوم ينشر صحافيا «ميديابارت» فابريس أرفي وكارل لاسك في «مع مجاملات القائد» خلاصة ستة أعوام من التحقيق، الذي أرفق بعناية بوثائق، بعضها نشر في السابق، لكن تجميعها وضبطها في جداول بدا مثيراً للانتباه.
كانت وكالة الانباء الليبية الرسمية «جانا» هي أول من كشف في 10 مارس 2011، السر الذي أدى إلى سقوط ساركوزي، ففي ذلك اليوم أكد القذافي على شاشة التلفزيوني الليبي تموليه لساركوزي حيث قال «انا من ساعد ساركوزي للوصول إلى السلطة، أنا من أعطيته المال قبل أن يصبح رئيساً»، وأما أحد ابنائه فقد صرح في ما بعد على شاشة يورونيوز بالقول «في البداية على ساركوزي أن يعيد المال، الذي قبله من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».
وأمام صحافية تعمل في «لوفيغارو» لم تكتب هذا الكلام الا بعد اربعة شهور، قال القذافي: «لقد اعطيناه التمويل الكافي حتى يفوز بالانتخابات».
من المؤكد أن الحرب كانت تهدد القذافي وكلام القائد وجماعته لم تكن له أي قيمة آنذاك، لكن الكثير من كبار الشخصيات في النظام قالوا الكلام ذاته ونحوا المنحى نفسه، فرئيس الوزراء الأسبق شكري غانم الذي عثر عليه غريقاً في فيينا قال إنه تناول الغداء في 29 أبريل 2007 لدى مدير مكتب القذافي بشير صالح في حضور الوزير الاول البغدادي، وبشير قال إنه دفع مليون ونصف المليون يورو إلى ساركوزي وأما سيف (نجل القذافي) فقد أرسل له 3 ملايين يورو. ويبدو ان الموفدين أخذوا جزءاً من المال قبل تسليمه الى وجهته وعبدالله السنوسي صهر القذافي سلمه أيضاً مليوني يورو.

لماذا الكذب أو الإنكار؟
يبدو أن الوسيطين زياد تقي الدين والكسندر جوهري لم يخطئا حين أخذا نصيبا من المال وفق مؤلفي الكتاب، ذلك أن بوريس بويون المستشار السابق لنيكولا ساركوزي ألقي عليه القبض في أحد مطارات فرنسا في 2013 وهو يحمل 350 الف يورو و40 ألف دولار، بينما واجه الامين العام السابق لقصر الإليزيه كلود غيون صعوبة كبيرة في تبرير حصوله على نصف مليون يورو من دوائر بنمية ملتوية ووفق الكاتبين دوما فإن رئيس الحكومة الاسبق دومينيك دوفيليبان تلقى هو الآخر المبلغ ذاته من قبل الاشخاص أنفسهم.
أكد البغدادي في 2011 أمام المحكمة في تونس بأنه أشرف انطلاقاً من طرابلس على ملف تمويل حملة نيكولا ساركوزي «والسنوسي اكد امام محكمة الجنايات الدولية في 2012 بأنه كان مكلفاً بتحويل 5 ملايين يورو الى كلون غيون مدير مكتب وزير الداخلية عن طريق الوسيط زياد تقي الدين.
وقد اعترف هذا الأخير في 2016 بأنه نقل رزماً من الأوراق النقدية الجديدة من فئة 500 يورو و200 يورو، كانت مغلفة بغلاف بلاستيكي خلال ثلاث رحلات، إلى مكتب غيون، حيث كان في انتظاره أيضا نيكولا ساركوزي الذي وصف تصريحات الوسيط زياد تقي الدين بالمخجلة.
وتقي الدين نفسه سلم نيكولا ساركوزي في بورجيه في مارس 2011، مليون ونصف المليون يورو نقداً. بينما نشر موقع ميديابارت الاخباري تعليمة صادرة عن النظام السابق في ليبيا ومؤرخة في 9 ديسمبر 2006، تتحدث عن اتفاق مبدئي لتحويل 50 ملايين يورو كدعم لحملة نيكولا ساركوزي.
وقد وقع التعليمة موسى كوسى رئيس الاستخبارات الليبية سابقا.
بعد أربعة أعوام من عمل الخبراء، قدر القضاء الفرنسي ان هذه الوثيقة أي «التعليمة» التي أثارت الكثير من الجدل لم تتعرض لاي عملية مونتاج ولا الى التخريب ووفق شخصيات ليبية أدلت بشهادتها للشرطة الفرنسية وفضلت عدم كشف اسمائها فإن 20 مليون يورو فقط من بين الخمسين، التي وعد بها القذافي، سلمت إلى كل من بوريس بويون وكلود غيون.
وأخيراً نبه محمد اسماعيل، وهو مقرب من القذافي، المحققين الى الدوائر الأوفشور فشركة روسفيلد التي يملكها تقي الدين وتمولها ليبيا ولها رخصة عمل في جزر العذراء البريطانية، قامت بتحويل أموال إلى دويتشه بنك في فرانكفورت مروراً من بنك الانتركونتيننتال اللبناني. وأخيراً فقد كتب محمد المقريف اول رئيس لليبيا بعد القذافي في مذكراته «لماذا الكذب أو الإنكار؟ نعم القذافي مول حملة ساركوزي للانتخابات الرئاسية وواصل تمويله بعد 2007»، لكن هذه الجملة التي وردت في مخطوط الكتاب، حجبت في النسخة المطبوعة.
بتاريخ 14 يناير 2011 قال المرشح ساركوزي إنه لا يريد أن يتواطأ مع اي دكتاتور في العالم وبعد 12 يوماً من تسلمه مهامه، اتصل الرئيس الجديد هاتفياً بالدكتاتور الليبي وقال له أنا أحتفظ بذكرى جيدة عن نوعية التحاليل التي استمعت اليها عنك واعتمد على صلواتك ودعواتك سيدي القائد.
لكن مع موجة الربيع العربي، بادرت فرنسا الى شن الحرب ضد «الشر الليبي» وفق الكلمات التي استخدمها الرئيس الفرنسي الذي اضاف «لقد عانت ليبيا طيلة عقود من دكتاتور، لم تعرف افظع ولا اعنف منه».
قامت الجماهير بسحل معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011، إلى ان قتل، فمن قتله؟ حضر رئيس الحكومة الفرنسية سابقاً فرنسوا فيون مباحثات عاصفة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يتهم فرنسا بتصفية العقيد الليبي. وأما نيكولا ساركوزي الذي رفض الرد على 60 سؤالاً ارسلها له المؤلفان فقد قال «وإن لم نكن نحن من ضغط على الزناد فإن الأمانة تلزمني بأن أقول إن مبررات قتله لم تكن خاطئة».

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد