آلان دو بوتون.. هل انتهى حلم السعادة؟ – المدى |

آلان دو بوتون.. هل انتهى حلم السعادة؟

ظاهرة تكاد تجهلها تماما أوساط الثقافة العربية، تلك التي تتمثل في المحاضرات العامة الدورية لكبار الكتاب والأكاديميين، والتي تعمد إلى النقاش وطرح قضايا تجمع بين طابع التخصص والتبسيط بالتماس ما يحياه الناس فعلا من قضايا زمنهم وهمومه. في أعرافنا لا يحدث هذا إلا في أطر نخبوية وقاعات مغلقة يحضرها جمهور كسول غالبا من أجل المجاملة أو انتظار انتقال الميكروفون إليهم.

على النقيض، اعتد المفكرون الغربيون على إلقاء محاضرات يتزاحم فيها حضور المواطنين العاديين الباحثين عن إجابة لأسئلتهم. ولعل فيلسوفا مثيرا للجدل مثل سلافوي جيجيك أن يكون الأشهر الآن، حيث بإمكانك العثور على العديد من محاضراته ومساجلاته العامة عبر اليوتيوب، بالإضافة إلى مقاطع سجلها بنفسه. آلان دو بوتون الكاتب ومقدم البرامج السويسري المقيم في بريطانيا، واحد من هؤلاء الذين يتمتعون بحضور واسع، ربما يعود أيضا إلى خبرته الإعلامية وطريقة عرضه الشيقة، وأمثلته الحية المستلة من نسيج الحياة اليومية، إضافة إلى طلاقته المدهشة.
الإنسان في عصر مضطرب
تتناول محاضرات دو بوتون غالبا موضوع العلاقات الإنسانية، وهي العلاقات التي تشهد الآن اضطرابا شديدا بسبب من الضغوطات الاقتصادية والنزعة الفردية العالية واتساع ما يبدو أنه أفق للاختيار، مع الخطر الدائم الذي يتهدد حياة الناس في العمل والانتقال وصراعات الهوية والثقافة. ولعل واحدة من أكثر هذه المحاضرات طرافة تلك التي خصصها بوتون عن الحب.
في محاضرته تلك ربط بوتون بين مخيالنا المعاصر عن الحب وارتباطه بالأعمال الروائية وما قدمته من نماذج. لكن الأهم أنه بحث في الأصول «الرومانسية» لأعراف الحب والزواج التي تعود إلى أصول مسيحية تمت علمنتها برأيه، بحيث صار الحب أيضا نوعا من الخلاص والحرية والمطابقة، والعثور على شريك هو بمنزلة العثور على «توأم الروح». ويدخل في هذا أيضا فكرة الألم والمعاناة الضرورية في الحب، والصدفة الخارقة والتي نسميها «الحب من أول نظرة».

قسمة غير عادلة
في كتابه «عزاءات الفلسفة.. كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة؟» يخفي بوتون، ربما، العنوان الأساسي، وهو هل ثمة طريق إلى السعادة؟
لا يبحث بوتون، على عادة الفلاسفة في «المفهوم» نفسه؛ تاريخه أو تأويله، وهو مفهوم يقع ضمنا وراء بحث الإنسان في كل القضايا المعرفية الأخرى رغم غموضه والتباسه.
يتجنب بوتون هذا الوجه الجهم للفلسفة مفندا نظرتنا نفسها إلى السعادة وتوقعنا لها، ذلك التوقع المبني على أن العالم هو بمنزلة «موزع هدايا»، وهو ما يجعلنا نتوقع نصيبا مفترضا من حقنا فيها، أو على العكس، نشعر بالغبن والظلم والقسمة غير العادلة إذا لم يصبنا مقدار ما نعتقد أننا نستحق منها.
يعيد بوتون قراءة مواقف وآراء عدد من الفلاسفة على مدار التاريخ، وكيف كانت نظرتهم إلى الفلسفة نفسها، أو كيف مارسوها وكيف أيضا كانت رؤيتهم لفكرة السعادة. عن الفيلسوف اليوناني أبيقور يكتب بوتون «كان واجب الفلسفة، وفق أبيقور، مساعدتنا على تأويل نوبات اليأس والرغبة الغامضة التي تعترينا، وبذا تنقذنا من النماذج الخاطئة للسعادة. ينبغي علينا الامتناع عن أي تصرف في النوبات الأولى، لنعمد، بدلا من ذلك، إلى تمحيص عقلانية رغباتنا وفقا لمنهج مساءلة قريب من ذاك الذي استخدمه سقراط في التعريفات الأخلاقية».

نظرة أخرى
عن نيتشه، ينقل بوتون وجهة نظر أخرى تربط بين السعادة والمعاناة باعتبارهما شريكين متداخلين «ماذا لو كانت السعادة والتعاسة مرتبطتين معا بحيث لابد لكل من يرغب بامتلاك أكبر قدر ممكن من إحداهما أن يمتلك قدرا مماثلا من الأخرى.. أمامك الخيار: إما أقل تعاسة ممكنة وقدرا من الصبر، أو أكبر تعاسة ممكنة كثمن للإفراط في اللذائذ والمسرات التي نادرا ما يتم التمتع بها؟ لو قررت المضي في الخيار الأول آملا تقليص مستوى الألم البشري وتخفيضه، يتوجب عليك كذلك تخفيض وتقليص مستوى قدرتها على تحقيق السعادة».
ربما كان مفهوم الامتلاك الطاغي في هذا العصر هو نوع من تأمين السعادة وضمانها بعيدا على الخوض في علاقات إنسانية غير مأمونة، ومسببة للإحباط، غير أن الصراع انتقل إلى مكان آخر، حيث يعني المزيد من الامتلاك المزيد أيضا من خوض الصراعات في العمل حد الإنهاك، ما أدى إلى تفسخ الكثير من الروابط الاجتماعية، والشعور الدائم بالعزلة الذي يجري تعويضه، كما لو كنا في دائرة مفرغة، عن طريق الامتلاك.
هل تمثل لنا الفلسفة وعمق الفكر وفهم أنفسنا عزاء؟ هل كلمة «العزاء» هي إعلان يائس، ولو بصورة مخففة، عن نهاية حلم السعادة؟ ربما هذا ما يحفزنا كتاب بوتون على تأمله.
يتميز الكتاب بالجمع بين الفكرة الفلسفية وحياة أصحابها، بين التأمل السريع والمثال الحي ولا يخلو من بعد درامي، مع كثرة الأمثلة والاقتباسات وتنوعها.
الكتاب صادر عن دار التنوير بترجمة يزن الحاج، ويقع في 318 صفحة

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد