هل تكون الحمائية والصراعات عنواناً للعصر المقبل؟ – المدى |

هل تكون الحمائية والصراعات عنواناً للعصر المقبل؟

– الأخطاء الفادحة جيوسياسياً واقتصادياً تقوِّض سمعة دول متقدمة لمصلحة روسيا والصين والهند
– الغرب يتجاهل دروس الماضي.. يعيش في عصر القوميات المتطرفة وكراهية الأجانب مرة أخرى
– الاقتصادات المتقدمة أصغر الآن بواقع السدس مما كانت عليه لو استمرت اتجاهات ما قبل الأزمة
– الأزمات المتعاقبة تزعزع الثقة بكفاءة ونزاهة النخب المالية والاقتصادية وصانعي السياسات
– في حين فقد بعض الناس العاديين وظائفهم أو منازلهم.. أنقذت حكومات النظام المالي لديها

ليس صحيحاً أن البشرية لا يمكن أن تتعلم من التاريخ، بل بوسعها ذلك. من أحداث الفترة المظلمة بين عامي 1914 و1945، تعلم الغرب الدروس والعبر، لكن يبدو أنه قد نسي تلك الدروس. فنحن نعيش، مرة أخرى، في عصر القوميات المتطرفة وكراهية الأجانب. وتحولت الآمال بشأن عالم جديد شجاع يتسم بالتقدم والوئام والديموقراطية، التي أحياها انفتاح السوق في فترة الثمانينات وانهيار الشيوعية السوفيتية بين عامي 1989 و1991، الى رماد.
ما الذي ينتظرنا في المستقبل بالنسبة للولايات المتحدة، المؤسس والضامن للنظام الليبرالي لمرحلة ما بعد الحرب، التي سيحكمها قريبا رئيس ينكر تحالفات دائمة ويتبنى الحمائية ومعجب بالطغاة؟ ما الذي ينتظرنا في المستقبل بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يواجه أوقاتا عصيبة وصعود «الديموقراطية غير الليبرالية» في الشرق وخروج بريطانيا وامكانية انتخاب مارين لوبان للرئاسة الفرنسية؟
ما الذي ينتظرنا الآن من روسيا فلاديمير بوتين الوحدوية التي تمارس نفوذا متزايدا على العالم، واعلان الصين أن شي جين بينغ ليس الأول بل «الزعيم الأساسي»؟

نشأ النظام الاقتصادي والسياسي العالمي المعاصر كرد فعل على الكوارث التي حدثت في النصف الأول من القرن العشرين. تلك الكوارث، في المقابل، كانت نتيجة التقدم الاقتصادي غير المسبوق، والمتفاوت للغاية، الذي شهده القرن التاسع عشر.
قوي التحول التي أطلقها التصنيع حفزت الصراع الطبقي والقومية والامبريالية. تبع ذلك بين عامي 1914 و1918، الحرب الصناعية والثورة البلشفية. محاولة استعادة النظام الليبرالي لفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى في عشرينات القرن العشرين انتهت بفترة الكساد الكبير، وانتصار أدولف هتلر والنزعة العسكرية اليابانية في الثلاثينات. وهو ما خلق ما بعد ذلك الظروف الملائمة للمجازر الكارثية للحرب العالمية الثانية، التي تلتها الثورة الشيوعية في الصين.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان العالم منقسما بين معسكرين: الديموقراطية الليبرالية والشيوعية. قادت الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية المهيمنة في العالم، الديموقراطية الليبرالية، بينما قاد الاتحاد السوفيتي المعسكر الشيوعي. وبتشجيع من الولايات المتحدة، تفككت الامبراطوريات التي كانت تسيطر عليها الدول الأوروبية الضعيفة، مما أدي الى نشوء مجموعة من الدول الجديدة في ما كان يسمى بـ «العالم الثالث».
مع انقاض الحضارة الأوروبية والتهديد من الشمولية الشيوعية، لم تستخدم الولايات المتحدة، الاقتصاد الأكثر ازدهارا في العالم والدولة القوية عسكريا، ثروتها وحسب، بل أيضا نموذجها في الحكم الديموقراطي، لخلق والهام ودعم الغرب عبر المحيط الأطلسي. بقيامها بذلك، تعلم قادتها عن وعي من الأخطاء السياسية والاقتصادية الوخيمة التي ارتكبها أسلافهم بعد دخولها الحرب العالمية الأولى في عام 1917.
على الصعيد المحلي، خرجت دول هذا الغرب الجديد من الحرب العالمية الثانية بالتزام تحقيق توظيف كامل لعمالتها ونوعا من دولة الرفاه. دوليا، أشرفت مجموعة جديدة من المؤسسات، صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (منظمة التجارة العالمية حاليا) ومنظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي (وثيقة خطة مارشال، تمت اعادة تسميتها في وقت لاحق باسم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، على اعادة اعمار أوروبا وعززت التنمية الاقتصادية العالمية. وتأسس حلف شمال الاطلسي، جوهر النظام الأمني الغربي، في عام 1949. ومعاهدة روما التي أنشأت المجموعة الاقتصادية الأوروبية، سلف الاتحاد الأوروبي، ووقعت في عام 1957.
وجاء هذا النشاط الابداعي، في جزء منه، استجابة لضغوط فورية، لا سيما البؤس الاقتصادي الأوروبي بعد الحرب والتهديد من ستالين الاتحاد السوفيتي. ولكنه يعكس أيضا رؤية عالم يتسم بمزيد من التعاون.

من البهجة الى الخيبة
اقتصاديا، يمكن تقسيم فترة ما بعد الحرب الى فترتين: الفترة الكينزية ولحاق الاقتصادي الأوروبي والياباني بالركب، والفترة اللاحقة للعولمة الموجهة نحو السوق، والتي بدأت مع اصلاحات دنغ شياو بينغ في الصين منذ عام 1978 وانتخاب مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة ورونالد ريغان في الولايات المتحدة في عامي 1979 و1980 على التوالي.
وقد تميزت الفترة الأخيرة باكمال جولة أوروغواي للمفاوضات التجارية في عام 1994، وانشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995، وانضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، ليشمل أعضاء سابقين في حلف وارسو، في عام 2004.
أنهت الفترة الاقتصادية الأولى التضخم الكبير الذي شهدته فترة سبعينات القرن الماضي. بينما انتهت الفترة الثانية مع الأزمة المالية الغربية من 2007 ــــ 2009. وبين هاتين الفترتين نشأت مرحلة من الاضطراب الاقتصادي وعدم اليقين، كما هو الحال الآن مرة أخرى. كان التضخم هو التهديد الاقتصادي الرئيسي في الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية. وهذه المرة، يتمثل التهديد في تباطؤ معدلات التضخم.
من الناحية الجيوسياسية، يمكن تقسيم مرحلة ما بعد الحرب الى فترتين: الحرب الباردة التي انتهت مع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وعصر ما بعد الحرب الباردة. وقد خاضت الولايات المتحدة حروبا كبيرة في كلا الفترتين: الحرب الكورية (1950 ــــ 1953) وحرب فيتنام (1963 ــــ1975)، وحربي الخليج (1990 ــــ1991 و2003)، خلال الفترة الثانية. الا أنه لم تندلع أي حرب بين القوى الكبرى المتقدمة اقتصاديا، على الرغم من أن ذلك كاد يحدث أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
خلال الفترة الجيوسياسية الأولى لفترة ما بعد الحرب انتهت بخيبة أمل بالنسبة للسوفيت ونشوة في الغرب. اليوم، الغرب هو الذي يواجه خيبة أمل جيوسياسية واقتصادية.
فمنطقة الشرق الأوسط في حالة اضطراب. وباتت الهجرة الجماعية تشكل تهديداً للاستقرار الأوروبي. بينما بوتين ماضٍ في مسيرته وشي في الصين يزداد ثقة وحسما في حين يبدو الغرب عاجزاً.
هذه التحولات الجيوسياسية هي، في جزء منها، جاءت نتيجة لتغيرات مرغوب فيها، لا سيما انتشار التنمية الاقتصادية السريعة الى خارج الدول الغربية خصوصا الى عمالقة آسيا، الصين والهند. بعضها أيضا حدث نتيجة لخيارات اتُخذت في أماكن أخرى، ليس أقلها قرار روسيا برفض الديموقراطية الليبرالية لمصلحة القومية والاستبداد باعتبارهما جوهر هويتها في ما بعد الشيوعية وقرار الصين بالجمع بين اقتصاد السوق مع سيطرة الشيوعية.

تفاقم حالة الغضب
الا أن الغرب ارتكب أيضا أخطاء كبيرة، لا سيما نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط تحت تهديد السلاح، إذ ينظر الى الحرب على العراق على أنها نتاج أسباب غير قانونية وادارة غير كفؤة ونتائجها كارثية.
وتأثرت أيضا الاقتصادات الغربية، بدرجات متفاوتة، من خلال تباطؤ النمو وارتفاع عدم المساواة، وزيادة معدلات البطالة (خصوصا في جنوب أوروبا)، وانخفاض مشاركة القوى العاملة والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن تراجع القدرة والنشاط الصناعي. وقد كان لهذه التحولات آثار سلبية خاصة على القوى العاملة غير الماهرة نسبياً من الرجال. فزاد الغضب من الهجرة الجماعية، لا سيما عند شرائح من السكان الذين تأثروا سلبا بتغييرات أخرى.
بعض هذه التحولات كانت نتيجة للتغيرات الاقتصادية التي كان إما لا مفر منها أو للتبعات السلبية لتطورات مطلوبة. تهديد التكنولوجيا للعمالة غير الماهرة لن يتوقف على الأرجح، ولا حتى القدرة التنافسية المتزايدة للاقتصادات الناشئة. الا أن ذلك لا ينفي ارتكاب أخطاء كبيرة في السياسة الاقتصادية، لا سيما الفشل في ضمان تقاسم المكاسب التي تحققت من النمو الاقتصادي على نطاق أوسع. وقد شكلت الأزمة المالية في 2007 ــــ 2009 والأزمة اللاحقة في منطقة اليورو، أحداثا حاسمة.
وكان لتلك الأزمتين آثار اقتصادية مدمرة: قفزة مفاجئة في معدل البطالة تلاها تعافٍ ضعيف نسبياً. وباتت اقتصادات الدول المتقدمة الآن أصغر بواقع السدس تقريبا مما كانت عليه لو استمرت اتجاهات ما قبل الأزمة.
رد الفعل على الأزمة قوض أيضا الايمان بعدالة النظام. ففي حين فقد بعض الناس العاديون وظائفهم أو منازلهم، أنقذت الحكومة النظام المالي. وفي الولايات المتحدة، حيث السوق الحر هو عقيدة علمانية، بدا ذلك غير أخلاقي بشكل خاصٍ.
وأخيراً، دمرت هذه الأزمات الثقة في كفاءة ونزاهة النخب المالية والاقتصادية وصانعي السياسات، لا سيما في ما يخص ادارة النظام المالي والحكمة من وجود اليورو.
كل هذا دمر الصفقة التي تستند اليها الديموقراطيات المعقدة، والتي تقضي بأنه يمكن للنخب أن تكسب مبالغ طائلة من المال، أو أن تتمتع بنفوذ وسلطة كبيرين ما دامت تفي بوعدها بالانتاج والنمو. بدلا من ذلك، كانت هناك فترة طويلة من النمو الضعيف في الدخل لمعظم السكان، خاصة في الولايات المتحدة، توج على نحو فاجأ الجميع تقريبا، بأكبر أزمة مالية واقتصادية منذ ثلاثينات القرن العشرين. وتحولت الصدمة لاحقا الى الخوف والغضب.
تعاقب الأخطاء الفادحة على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي قوض أيضا سمعة الدول الغربية لجهة الكفاءة والأهلية، في الوقت الذي تحسنت فيه سمعة روسيا والصين. كما أحدث انتخاب دونالد ترامب، ثقبا في الادعاءات المبتذلة بشأن القيادة الأخلاقية في الولايات المتحدة.
نحن، باختصار، في نهاية فترة اقتصادية، تتمثل في العولمة بقيادة الغرب، ونهاية فترة جيوسياسية تتمثل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة «الأحادية القطبية» للنظام العالمي، الذي تقوده الولايات المتحدة.
والسؤال هو ما اذا كان ما يلي سيكون تفكك عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، الى تقليص العولمة والصراع، كما حدث في النصف الأول من القرن العشرين، أو ظهور مرحلة جديدة تلعب فيها القوى غير الغربية، خاصة الصين والهند، دورا أكبر في الحفاظ على نظام عالمي متعاون.

التجارة الحرة والازدهار

جزء كبير من الاجابة ستقدمه الدول الغربية. حتى الآن، وبعد مرور جيل كامل من التدهور الاقتصادي النسبي لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان تنتج أكثر من نصف الناتج العالمي قياسا بأسعار السوق، و%36 منه قياسا بتعادل القوة الشرائية.
كما أنها تظل أيضا موطنا لأهم الشركات وأكثرها ابتكارا في العالم والأسواق المالية المهيمنة، والمؤسسات الرائدة في مجال التعليم العالي والثقافات الأكثر نفوذا. كما ستظل الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم، ولا سيما عسكريا، على مدى عقود. لكن قدرتها على التأثير في العالم تتعزز الى حد كبير بشبكة من التحالفات، التي نتجت عن الكفاءة السياسية والابداعية للولايات المتحدة خلال أوائل فترة ما بعد الحرب. وبالتالي، فان هناك حاجة لأن تحافظ على تلك التحالفات أيضا.
بيد أن المكون الأساسي في نجاح الغرب ينبغي أن يكون محليا. النمو البطيء وشيخوخة السكان زادا من الضغط على الانفاق العام. ومع ضعف النمو، لاسيما في الانتاجية، والاضطرابات الهيكلية في أسواق العمل، اتسمت السياسة بخصائص محصلتها صفر: بدلا من أن تكون قادرة على أن تعد الجميع بالمزيد، أصبحت تتعلق بأن تأخذ من البعض لتعطي البعض الآخر. وكان الفائزون في هذا الصراع أولئك الذين هم بالفعل ناجحون جدا. وهذا ما يجعل أولئك الموجودين في الوسط والجزء السفلي من سلم توزيع الدخل أكثر قلقا، وبالتالي أكثر عرضة للديماغوجية العنصرية وكراهية الأجانب.
وفي تقييم ردود الفعل يجب أن نتذكر عاملين:
أولا: مثل عصر الهيمنة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية نجاحاً عاماً هائلاً. اذ ارتفع متوسط الدخل الحقيقي العالمي للفرد بنسبة %460 بين عامي 1950 و2015. وانخفضت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع من %72 في عام 1950 الى %10 في عام 2015.
وعلى الصعيد العالمي، ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 48 سنة في عام 1950 الى 71 سنة في 2015. كما زادت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في ظل أنظمة ديموقراطية من %31 في عام 1950 الى %56 في عام 2015.
ثانيا: كانت التجارة بعيدة عن كونها السبب الرئيس لانخفاض طويل المدى في نسبة الوظائف في الولايات المتحدة في مجال التصنيع، على الرغم من أن ارتفاع العجز في الميزان التجاري كان له تأثير كبير على العمالة في مجال التصنيع بعد عام 2000. ولم يكن نمو الانتاجية الذي تقوده التكنولوجيا قويا.
وبالمثل، لم تكن التجارة السبب الرئيسي في ارتفاع معدلات عدم المساواة: بعد كل شيء، فجميع الاقتصادات ذات الدخل المرتفع طالتها التحولات الكبيرة في القدرة التنافسية الدولية، لكن النتائج المترتبة على تلك التحولات لجهة توزيع الدخل تنوعت بشكل كبير.
على قادة الغرب والولايات المتحدة ايجاد أفضل السبل لتلبية مطالب شعوبهم. لكن يبدو كما لو أن المملكة المتحدة لا تزال تفتقر الى رؤية واضحة عن الكيفية التي ستعمل بها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولا تزال منطقة اليورو ضعيفة، كما يبدو أن بعض الناس الذين يخطط ترامب لتعيينهم في ادارته، وكذلك الجمهوريين في الكونغرس، عازمون على قطع الحبال البالية لشبكة الأمان الاجتماعي في الولايات المتحدة.
وعلى الأرجح أن يتسم عالم الدول الغربية المنقسم والمنعزل ذاتيا بادارة سيئة وبدرجة عالية من عدم الاستقرار. وقد تجد عندها الصين دفعة قوية تجاه العظمة. لكن ما اذا كانت الصين ستكون قادرة على الارتقاء الى دور عالمي جديد، نظرا للتحديات الداخلية الهائلة، هو سؤال مفتوح. يبدو الأمر مستبعدا جدا.
بالاستسلام والخضوع لإغراء الحلول الكاذبة، التي ولدت من رحم خيبة الأمل والغضب، قد يعمل الغرب حتى على تدمير الركائز الفكرية والمؤسسية التي استند اليها النظام الاقتصادي والسياسي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
من السهل أن نفهم تلك المشاعر وفي الوقت ذاته نرفض ردود الفعل المبسطة تلك. لن يعالج الغرب نفسه بتجاهل دروس تاريخه. لكنه قد يخلق الفوضى في أثناء المحاولة.

ترجمة وإعداد إيمان عطية

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد