سيناريوهات «الناتو» للتعامل مع ترامب – المدى |

سيناريوهات «الناتو» للتعامل مع ترامب

صدرت أثناء الحملة الانتخابية تهديدات خطيرة عن دونالد ترامب تجاه حلف الناتو، قد تؤدي الى احداث تغير عميق في توازن القوى في أوروبا إذا ما نفذت، ولقد شرع المسؤولون في الحلف العسكري الاطلسي، ممن يخشون حدوث ما هو أسوأ في صياغة سيناريوهات للتعامل مع فترة رئاسته.

فقد كان كل شيء قد تم التخطيط له بصورة مثالية، حيث انجز بناء المقر الجديد للحلف بالقرب من مطار بروكسيل، وهو مبنى ضخم من الزجاج والحديد الصلب الذي سيصبح مقر أقوى حلف عسكري في المستقبل، وقد كلف بناؤه أكثر من مليار دولار، وسوف يجري افتتاحه في العام المقبل، وكان من المقرر ان يتم افتتاح ذلك المبنى العملاق رسمياً خلال انعقاد قمة الناتو المقبلة في ربيع عام 2017، واستعد الأمين العام للحلف الى تقديم دعوة ترحب برئيسة الولايات المتحدة الجديدة هيلاري كلينتون، وذلك تقريباً ما كان يخطط له المسؤولون في المقر الرئيسي للحلف، وبدا كل شيء خلاف ذلك خارج نطاق التفكير، حتى ان ضمير المؤنث في اللغة الانكليزية مثل «هي» ونون النسوة تسربتا الى الرسائل المتبادلة داخلياً عند الاشارة الى ساكن البيت الأبيض المقبل.
بيد انه لن تكون هناك سيدة في منصب الرئاسة، بل بدلاً من هيلاري كلينتون، الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه، والمعروفة بصورة جيدة منذ فترة طويلة في دوائر التواصل فيما بين ضفتي المحيط الاطلسي، سوف يأتي الى بروكسل دونالد ترامب، أي الشخص الذي وصف الحلف بانه قد «عفا عليه الزمن». وكان ذلك خلال حملته الانتخابية، بل ان هنالك شكا في امكان حضوره تلك المناسبة، وتحسباً لعدم حضوره للقمة، التي من المقرر عقدها بعد أسابيع قليلة من حفل تنصيبه رئيسا، أجل الحلف عقد تلك المناسبة، وذلك لأن عقدها من دون حضور الرئيس الأميركي، سوف يكون مؤشراً على انهيار الحلف. ولقد توصل منظمو القمة الآن الى تحديد موعد آخر خلال الصيف المقبل بأمل ان يكون ترامب عندها قد توصل الى قناعة بان الولايات المتحدة بحاجة الى الناتو لمواجهة ما قد يحدث مستقبلاً.
غير ان هنالك شكوكاً عديدة حول امكانية حدوث هذا الأمر، والذعر الذي ساد اثر انتخاب دونالد ترامب لتولي منصب الرئاسة بلغ درجة عالية خاصة ضمن الحلف. ويقول مسؤول الماني في الناتو إنه «لأول مرة يحدث ان نجد أنفسنا أمام احتمال انسحاب اميركا من الحلف، مطروح على الطاولة، أو على الأقل وجود تهديد بالانسحاب». فذلك قد يعني نهاية الحلف.

توقع حدوث الأسوأ
وفي واقع الأمر هنالك العديدون ضمن الناتو ممن يتوقعون حدوث الاسوأ جراء انتخاب ترامب، وهنالك سيناريو خاص حول رئاسة ترامب يصف الوضع بالتفصيل في تقرير سري اعده موظفو مكتب الجنرال ستولتيبيرغ امين عام الحلف، وفيه يفحص خبراء الاستراتيجية ما قد يحدث اذا ما نفذ الرئيس الأميركي المنتخب تهديده بتقليص الارتباط بالأمن الأوروبي مستقبلاً، وامكانية سحب جزء من القوات الأميركية من القارة الأوروبية، ويقول ولفغانغ ايشينغر السفير الألماني السابق لدى الولايات المتحدة، ورئيس مؤتمر ميونخ الأمني «نتيجة لانتخاب ترامب بتنا نواجه لحظة من عدم الوضوح الغامض، غير المسبوق في العلاقات ما بين ضفتي المحيط الأطلسي»، وكان ترامب اثناء حملته الانتخابية طرح تساؤلات حول مسألة تعد حجر اساس حلف الناتو أي مسألة الالتزام بمبدأ الدفاع المتبادل بموجب المادة الخامسة. كما قال ايضاً ان حلفاء واشنطن في الناتو يمكنهم توقع الحصول على دعم فقط اذا ما سددوا ما عليهم من نفقات.
ورئيس الولايات المتحدة المقبل لا يتصور الناتو على انه درع حماية متبادلة للقيم الغربية الجماعية، بل انه بدلاً من ذلك يعتبره مجموعة صغيرة من الدول التي تعاني من الضعف لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وان عليها دفع اتاوة للحصول على الحماية للولايات المتحدة لتوفر لها الأمن. ولهذا السبب يرغب ايشينغر من الرئيس المنتخب، اذا امكن ذلك، ان «يقدم للشركاء في حلف الناتو تأكيداً بأنه متمسك بالتزامات الولايات المتحدة، بما في ذلك المادة الخامسة».

أوروبا الشرقية الأكثر تضرراً
وعواقب ذلك الأمر ستكون أكثر سوءاً بالنسبة لدول أوروبا الشرقية بما ان الالتزام الأميركي تجاه الناتو هو الذي يوفر لهما الحماية ضد أي محاولات محتملة قد تقدم عليها روسيا لاستعادة سيطرتها على المنطقة التي كانت تخضع ذات يوم للحكم السوفيتي. واحدى السيناريوهات التي درسها خبراء الاستراتيجية في الناتو، امكان سحب ترامب التزام واشنطن الخاص بتوفير قوات اميركية بصورة دورية في شرق اوروبا للبقاء لفترات زمنية، وانه من دون هذا المؤشر الواضح للدعم الاميركي، فان الجناح الشرقي للحلف سوف يخلو بصفة عامة من الحماية لمواجهة العدوان الروسي، ويشكل هذا الأمر كابوساً بالنسبة لدول شرق أوروبا، كما ان مستقبل نظام الدفاع الصاروخي للناتو المخطط إقامته في رومانيا وبولندا قد يواجه ايضا خطر الإلغاء.
كما تشعر دول منطقة البلطيق الثلاث، الى جانب بولندا، بالقلق من أن ترامب المعجب بالرئيس بوتين قد يتحالف مع حاكم الكرملين ضدهم. ويقلقهم ايضا ان الرئيس الاميركي المنتخب، مؤلف كتاب «فن الصفقات»، يمكن أن يتجاهلهم ويتوصل الى اتفاق بصورة مباشرة مع الكرملين. وكان ترامب قد أوضح مراراً ان سياسته الخارجية سوف تركز على حماية المصالح الأميركية، وليس الدفاع عن القيم الغربية. ويقول ريزارد شنيبف، السفير السابق لبولندا لدى الولايات المتحدة، انه «قلق بشأن المستقبل. ويصف ترامب بأنه رجل محب للسلطة مفتون بالرئيس الروسي بوتين. واضاف «إنه قد يركز على فكرة إحياء عالم القطبين الكبيرين».

أخطاء الماضي
بيد ان التصديق على اتفاقية يالطا جديدة تحدّد فيها واشنطن وموسكو مناطق نفوذ كل منهما، قد يهدّد استقلال الحلفاء في شرق أوروبا. ويحذر وزير خارجية ليتوانيا ليناس لينكفيسيوس، قائلا إنه من المهم للغاية عدم «تكرار أخطاء الماضي»، فالاتفاقيات مع موسكو يجب أن تقوم على اساس القيم والقانون الدولي، وليس على المصالح او مناطق النفوذ. وإذا كان ترامب جادا في تقليص عدد الجنود الأميركيين في اوروبا، فإن دول الناتو الكبيرة، مثل ألمانيا، قد تجد نفسها في وضع لا يمكنها من تعويض الفقد. فهي تفتقر الى وجود وحدات كافية تكون بديلة للأميركيين. ويفترض أحد السيناريوهات التي صاغها خبراء الاستراتيجية في الناتو ان الرئيس الاميركي الجديد قد يصّر فقط على ان ينفق الاوروبيون المزيد من المال على شؤون أمنهم. وترامب خلال حملته الانتخابية لم يترك مجالا للشك في أنه ينوي تغيير عملية المشاركة في تحمل الأعباء تغييرا جذريا.
وفي قمة حلف الناتو التي عقدت في ويلز في عام 2014، اتفقت الدول الأعضاء على انفاق نسبة 2 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي على الدفاع. غير أن دول قليلة توفي الآن بالالتزام بذلك الهدف ــ فألمانيا صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في التحالف، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، تنفق نسبة 1.19 في المئة من ناتجها الاجمالي المحلي في الدفاع. ويهدد ترامب حاليا بأن يجعل الالتزام بالدفاع المتبادل بموجب المادة الخامسة يعتمد على تحقيق ذلك الهدف او حتى زيادة تلك النسبة.
وعلى أي حال، فإن المسؤولين في الناتو باتوا يعدون أنفسهم لمواجهة المزيد من المطالب الموجهة للاوروبيين، ويقول خبير السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي الكسندر لامبسدروف: «ليس لدى أوروبا أي خيار بل عليها تعزيز العمود الأوروبي لحلف الناتو».

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد