عشائر جنوب العراق.. تنافس على إكرام الضيف – المدى |

عشائر جنوب العراق.. تنافس على إكرام الضيف

ناحية سيد أحمد الرفاعي الواقعة بين محافظتي ذي قار وميسان، كان قد زارها ابن بطوطة، ووصفها بأنها كانت حدائق غناء قبل أن يضرب أهلها مرض الطاعون، مازالت تحتفظ باسمها التاريخي في آثار العراق «أم عبيدة»، فيما خلع عليها التاريخ المعاصر اسمها الدارج ناحية سيد أحمد الرفاعي، لوجود مرقد يقصده أهل الطرق الصوفية يحمل هذا الاسم. فيما أصحاب هذه الطرق، الذين يقصدون المرقد كل يوم خميس يُسمون بأصحاب الطريقة الرفاعية، التي تعني لديهم الكثير من الطقوس الغريبة، والتي تمثل عملية ضرب الأجسام بالسيوف والرماح على وقع الطبول والأهازيج، أهم مظاهر هذه الطريقة ذات المنشأ الصوفي.

يتبارون في نحر الخراف
راهناً ومنذ زمن بعيد يقطن هذه المنطقة عشيرة البزون، التي يبلغ تعدادها نحو 150 ألف شخص، ما زالوا يحتفظون بعاداتهم العشائرية الصارمة، لاسيما على صعيد التنافس فيما بينهم بإكرام الضيف، والتباري في نحر الخراف عند المناسبات المفرحة والحزينة من قبيل الزواج، أو الفاتحة، معتبرين ذلك إرثاً للعشيرة لا يمكن التراجع عنه مهما كانت الظروف المعيشية.
وسكان هذه المنطقة يعتمدون في عيشهم على زراعة القمح والشعير، التي زادت محاصيلها خلال السنوات الأربع الماضية، بعد أن اتخذت الحكومة العراقية شراء المحاصيل من الفلاحين بأسعار عالية بغية تشجيعهم على الزراعة.

هجاء الحكومة
وبسبب الأزمة الاقتصادية التي يعانيها العراق، نتيجة انخفاض أسعار النفط من جهة، وتكاليف الحرب على «داعش»، فقد تسلمت الحكومة محاصيل هؤلاء الفلاحين، وأحجمت في الوقت ذاته عن إعطائهم المستحقات، الأمر الذي تسبب في تبرمهم، حيث لا يفترون عن هجاء الحكومة وشكواهم من العوز. فيما سارعت الحكومة قبل أيام الى إطلاق المستحقات على شكل دفعات، قد خففت الى حد ما من غلواء غضبهم، كما رأيناهم خلال زيارة لهذه المنطقة استجابة لدعوة أحد الأصدقاء المدعو الشيخ خالد ضيدان فالح بمناسبة زواج ولده.
لقد نصبوا أكثر من مضيف لاستقبال المدعوين في المناسبة، فيما عرفنا أن العادة الجارية لدى هذه العشيرة أن يجلب الكثير من المدعوين الذبائح كهدايا لصاحب المناسبة عشية إقامتها، والتي يمثل تقديم طعام الغداء للحاضرين ذروتها. فما إن حانت الساعة الواحدة ظهرا، حتى بدت أصوات القائمين على المناسبة وأقربائهم تتعالى في النداءات فيما بينهم استعدادا لنقل الطعام.

«ليّة الخروف».. وتكريم الضيف
الوفرة في الطعام والذبائح تشي بكثير من الثراء والاسراف، حيث تم نقل نحو 35 صحناً من المعدن معبأة بالأرز، الذي كسيت جنباته بالمرق، وقد وضع على كل صحن خروف، بمعنى أنه قد نحر في هذه المأدبة 35 خروفا، وعلمنا أن من عاداتهم الحرص على إبقاء «ليّة» الخروف سالمة، فيما يحرص بعض المراقبين على نقل المائدة على معاينة وجوه الحاضرين، لمعرفة ما إذا كان من بينهم غرباء عن العشيرة، ليضعوا «وجهة اللية» قبالته إكراما للضيف الغريب.
سألت أحد اقرباء صاحب المناسبة عن السر في هذا السخاء المكلف، الى جانب الشكوى من العوز، فأجاب الشيخ سعد حاجم «هذه عاداتنا المتوارثة من الأجداد الى الآباء، لا يمكن أن نبتعد عنها مهما كانت الظروف».

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد