سعد العبدالله.. فارس التحرير باق في القلوب – المدى |

سعد العبدالله.. فارس التحرير باق في القلوب

8 سنوات مرت على رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله (رحمه الله)، الذي سطر إنجازات لا تزال بصماتها واضحة للعيان، ومآثره لا تزال راسخة في القلوب والعقول.
شخصية طبعت تاريخ الوطن بمواقف خالدة كانت نقطة فاصلة ومحورية في تاريخه، عمل دائما لكل ما من شأنه رفعة الكويت وتقدمها، وكان بحق من ابرز رموزها وفرسانها الكبار الذين لن ينساهم التاريخ الكويتي.

ولا يسع المتتبع لسيرة الراحل في الذكرى الثامنة لوفاته إلا أن يقف إكبارا وإجلالا للجهود الجبارة التي بذلها المغفور له، بإذن الله، الشيخ سعد العبدالله في سبيل الذود عن الكويت وحمايتها من الأطماع الخارجية والتأكيد على وحدة صف شعبها ولحمته.

وكانت بصمات الفقيد واضحة في وضع دستور الدولة الحديثة، حيث شارك في لجنة صياغة الدستور وحرص على أن يثري الجلسات بنقاشات تهدف الى الصياغة المثلى للدستور بما يضمن شرعية الدولة وحقوق مواطنيها على حد سواء.

فسمو الشيخ سعد العبدالله هو الحاكم الـ 14 من سلسلة حكام آل الصباح التي أولاها الكويتيون، بمحض إرادتهم، أمانة الحكم عندما اختاروا الشيخ صباح بن جابر الأول لهذه المهمة قبل أكثر من قرنين ونصف القرن.

وسموه، رحمه الله، هو الأمير الرابع في عمر الدولة الدستورية التي بدأت بتوقيع المغفور له والده الشيخ عبدالله السالم الصباح على وثيقة الدستور في 11 نوفمبر 1962، معلنا بذلك دخول الكويت عهدا جديدا ومرحلة جديدة.

ويعد الشيخ سعد من صانعي السياسة الكويتية في مجالي الأمن والدفاع فهو أول وزير للداخلية وثاني وزير للدفاع في ظل الدستور. وهو من الرجال الذين شاركوا وبفاعلية في وضع أسس بناء الكويت، فقد كان شاهدا على اللحظات الأولى لاستقلال الكويت وقيام دولتها الحديثة وكان مشاركا في لجنة صياغة الدستور، وكان عضوا فاعلا في إنجازه بالمناقشات والنقاط التي كان يثيرها مع أعضاء اللجنة.

وكان صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد زكى سمو الشيخ سعد وليا للعهد عام 1978 وفي فبراير من ذلك العام تم تعيينه رئيسا لمجلس الوزراء، حيث كلف بتشكيل الوزارة العاشرة في تاريخ الكويت عام 1978 ونودي به اميرا في 15 يناير 2006 عقب وفاة سمو الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد.

وكانت بداية سمو الأمير الوالد (رحمه الله) في العمل السياسي العام مبكرة تماما، حيث كان سمو الشيخ سعد العبدالله قد تلقى تعليمه العام في الكويت، ثم سافر الى انجلترا عام 1951، والتحق بكلية «هاندن» العسكرية ثم استكملها بدورات متخصصة في علوم الأمن والشرطة والتي انتهت عام 1954، وبدأ مهامه الوظيفية في دائرة الأمن العام، وتدرج في مختلف المناصب بجهاز الشرطة والأمن العام، وكان مثالا للإخلاص والتفاني في العمل، حتى عين نائبا لرئيس الشرطة العامة التي كان يتولى عمه المغفور له الشيخ صباح السالم رئاستها، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1959، ثم انضمت الشرطة للأمن العام حيث تولى الشيخ سعد، رحمه الله، منصب نائب رئيس الشرطة والأمن العام، وكان يتولى رئاستها آنذاك المغفور له الشيخ عبدالله المبارك.

مسؤولية القيادة

كان سموه منذ البداية مدركا لمدى مسؤولية القيادة وأمانتها، وان القيادة هي اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب مهما تكن صعوبة القرار واي كانت تبعاته، وقد أكدت الاحداث التي مرت بها الكويت، ان سموه رجل مواقف، وانه قائد من الطراز الاول، وصاحب قرار صائب حتى لو شكل هذا القرار تهديدا لسلامة سموه، واذ نعرض لغيض من فيض من مواقف سموه التي لا تعد ولا تحصى، فإنما نسجلها كأمثلة لمواقف سموه، رحمه الله، ونترك للتاريخ سجل سموه الحافل بالمواقف الرجولية المشرفة التي ستخلد ذكراه: حين تعرضت الكويت لتهديدات حاكم العراق عبدالكريم قاسم اثر اعلان استقلالها مباشرة عام 1961 احتشدت جموع الكويتيين حول سمو الامير وقتذاك المغفور له سمو الشيخ عبدالله السالم الذي رفض التهديد، واكد ان الكويتيين، كالعهد بهم دوما، مستعدون للدفاع عن وطنهم مهما كانت التضحيات.

وفي ذلك اليوم، يوم الحشد الجماهيري الواسع، كان، رحمه الله، حريصا على الحضور باستمرار الى جوار امير البلاد، لاسيما ان امن الدولة كان ضمن مسؤولياته.

على اثر انتقال الامير الراحل الشيخ صباح السالم الى رحمة ربه، وتولي سمو الشيخ جابر الاحمد، رحمه الله، مسند الامارة، اصدر سموه، رحمه الله، امرا اميريا بتاريخ 8 فبراير 1978 بتعيين الشيخ سعد العبدالله، رحمه الله، رئيسا لمجلس الوزراء، ثم صدر المرسوم الأميري بتشكيل اول وزارة يرأسها الشيخ سعد العبدالله في فبراير 1978، وفي الثامن عشر من فبراير 1978 صدر أمر اميري بتعيين الشيخ سعد العبدالله، رحمه الله، وليا للعهد، وتبعا لما اتصف به سموه من وفاء دوما، عبر سموه أصدق تعبير عن معاني الوفاء للراحل الكبير في اول كلمة بعد توليه مهام منصبه كولي للعهد ورئيس للوزراء في العيد الوطني. وقد واجه سموه، رحمه الله، طوال حياته السياسية ظروفا وتحديات داخلية وخارجية عدة استطاع ان يبدي خلالها اداء رفيعا ومقدرة وحنكة. ورأس سموه احدى عشرة حكومة في تاريخ الكويت على مدى 52 عاما وفقا للتسلسل التالي: 1978، 1981، 1985، 1986، 1990، 1991، 1992، 1996، 1998، 1999، و2001. وفي 15 يناير 2006 نودي به أميرا لدولة الكويت عقب وفاة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد (رحمه الله) واستمر حتى 29 يناير 2006 عندما انتقل الحكم الى صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد.

ولعل من المفيد ان نبين بعض جوانب سياسة سموه وقيادته الحكيمة من خلال لمحات عن الانجازات النوعية الكبيرة عبر تلك الوزارات المتعاقبة، فقد حققت الحكومات التي ترأسها سموه، رحمه الله، الكثير والكثير من الانجازات التي يصعب حصرها في هذه العجالة، والتي تنم عن سياسة حكيمة وتنظيم دقيق.

الحكومات والإنجازات

لقد واجهت الحكومات التي ترأسها الشيخ سعد العبدالله، رحمه الله، على التوالي ظروفا حافلة بالتحديات والأحداث الجسام على مختلف المستويات وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي، وتمكنت، بعون الله سبحانه وتعالى، ثم بدعم الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد، رحمه الله، وبدعم صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد، وقوة ارادته وحرصه وجهده، واخلاص الكويتيين جميعا من وزراء ومسؤولين ومواطنين، تمكنت من مواجهة تلك الظروف الصعبة، والتعامل معها بما جنب بلدنا العزيز العديد من المخاطر، كما حرصت الحكومات على تنفيذ برنامج عملها تحقيقا للاهداف والغايات الوطنية المرجوة، وعملت جاهدة على تعزيز قدرات البلاد الدفاعية، ورفع كفايتها البشرية والمادية بما يمكنها من صد اي عدوان خارجي يستهدف امن الوطن وكيانه.

وعلى الصعيد الداخلي، قطعت الحكومات شوطا طويلا في تطوير وتحديث الاجهزة الامنية، والارتقاء بها الى مستوى الاحداث بما مكنها من تأكيد دورها، وتجسيد فعاليتها في المحافظة على الاستقرار، وامن المواطنين وسلامتهم.

كان سموه ـ رحمه الله ـ يؤمن بأن ترسيخ نهج الشورى والديموقراطية البناءة كفيل بجمع الشمل، وصون الوحدة الوطنية، وتعزيز المسيرة التي أرسى دعائمها اسلافنا، وفي ظل الشورى والديموقراطية عاش مجتمعنا منذ القدم، كما دعا سموه، رحمه الله، الى الوقفة الصادقة كي نتفادى اخطاء وسلبيات تجربتنا الديموقراطية، فمهما تباينت وجهات النظر والاجتهادات، فحبنا لكويتنا كفيل بإذابتها وصهرها، وتوحيد صفوفنا، وتبقى الكويت فوق كل اعتبار، وحثنا سموه، رحمه الله، على ان يكون لنا من تاريخنا وتراثنا نبراس يهدي خطانا، ومن سير اسلافنا في تعاونهم وتراحمهم مثل يحتذى في يومنا وغدنا، فمهما تكن الاخطاء والتحديات فإن ايماننا ووحدتنا وصلابة عزيمتنا كفيلة بحلها وتجاوزها.

استقرار الكويت

وما كاد سمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله ـ رحمه الله ـ يضع حلولا للازمات الاقتصادية التي اجتاحت الكويت خلال عقد الثمانينيات، حتى تصدى لمشكلة اضطراب الأمن، إذ كان على قناعة مؤداها ان استقرار الامن في ربوع الوطن هو المدخل الحقيقي للتنمية والتقدم ورفاهية المواطنين.

وعلى الرغم من ان سمو الشيخ سعد، رحمه الله، وقف موقفا حاسما إزاء أي محاولة للعبث بأمن واستقرار الكويت، فإنه كان يرى أن الطريقة المثلى للتعامل مع ظاهرة الارهاب هي الحوار، إذ ان العنف في رأيه لا يولد إلا عنفا، ومن الأجدى احتواء الحركات الارهابية والتعامل مع القائمين بها بموضوعية وايجابية وبعيدا عن التشنج، مع ادانته في الوقت نفسه لتلك الحركات التي كان من نتيجتها رسم صورة مشوهة عن الاسلام، ليس من شك في أن الإسلام بريء منها.

قضية الكويت

كان سمو الامير الوالد الشيخ سعد العبدالله ـ رحمه الله ـ مقاتلا صلبا ومدافعا عنيدا عن الحق الكويتي عندما وقعت كارثة الاحتلال الصدامي للكويت وبذل سمو الشيخ سعد العبدالله خلال فترة الاحتلال الصدامي للكويت في عامي 1990 و1991 جهودا جبارة للدفاع عن الحق الكويتي في جولاته على الدول الشقيقة والصديقة وشرح قضية شعب الكويت العادلة، ما كان له الاثر الواضح في وقوف تلك الدول الى جانب الكويت، كما كان لكلمات سموه للشعب الكويتي اثناء محنة الاحتلال مردودها الايجابي في شحذ الهمم ورص الصفوف لدحر العدوان ورد كيد المعتدي. وتمثل تحرك سموه منذ اللحظات الاولى للعدوان الصدامي في إصراره على مغادرة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الاحمد، رحمه الله، الى السعودية لأن وصول القوات العراقية الى أمير البلاد ورمزها كان يعني انهيار الروح المعنوية لدى افراد الشعب ولأن وجود رمز البلاد في الخارج يعني استمرار المقاومة وحرية الحركة لحشد الرأي العام الدولي والاسلامي والعربي حول قضية الكويت وسرعة تحريرها، فحفظ للكويت سلطتها الشرعية أمام العالم ودفع بالمقاومة إلى التحرك في الداخل والخارج وتولى بعد التحرير مسؤولية إعادة مرافق الدولة للعمل بكل كفاءة وسرعة وفرض الأمن والنظام ومعالجة المشاكل التي خلفها الاحتلال.

مؤتمر جدة

وكانت هناك علامة بارزة في تاريخ الكويت وهي انعقاد المؤتمر الشعبي في جدة خلال الفترة من 13 الى 15 اكتوبر من العام 1990 والذي نبعت فكرته من سمو الأمير الوالد حيث طرحها في اثناء زيارته الى المملكة المتحدة ولقائه مع ابناء الكويت في لندن في الاسبوع الاول من شهر سبتمبر 1990 اي بعد نحو شهر من وقوع الاحتلال الصدامي.

وبعد عودة سموه الى الطائف، عرض الامر على سمو الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد، رحمه الله، فباركها وايدها وبدأت الاجراءات لتشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر وباشر سموه جميع الاجراءات بنفسه بدءا من الاجتماع مع اللجنة التحضيرية واعداد جدول الاعمال ومقابلة بعض الشخصيات الكويتية التي ستحضر المؤتمر وتوضيح فكرته والاتفاق على شعاره الى اصدار الدعوات باسم سموه الى جميع المشاركين، وبلغ عدد المشاركين 1200 شخصية كويتية تمثل مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية اضافة الى عدد من الشخصيات الاجنبية ونحو 433 من رجال الصحافة والاعلام لتغطية احداثه وترأس سموه المؤتمر، ورفع المؤتمر شعار «التحرير.. شعارنا.. سبيلنا.. هدفنا» وألقى سمو الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد كلمة الافتتاح وألقى سمو الشيخ سعد العبدالله رئيس المؤتمر كلمة في اليوم الأول ثم ألقى سموه كلمة في ختامه.

وصدر عن المؤتمر بيان ختامي يشمل 19 بندا ثم تكونت لجنة من 29 عضوا بدعوة من سمو الامير الوالد الشيخ سعد العبدالله وبرئاسته لتشكيل هيئة استشارية عليا برئاسته لمتابعة تنفيذ التوصيات والقرارات، ومع تحمل سموه الأعباء والمهام الجسام التي كانت موكلة اليه خلال فترة الاحتلال الصدامي الغاشم للكويت والتي اداها بكل صدق وتفان فإن ذلك كله لم يؤثر على مهامه الاساسية كولي للعهد ورئيس لمجلس الوزراء والتي تمثلت خلال هذه الفترة في رئاسة اجتماعات مجلس الوزراء الذي كان في حالة انعقاد شبه مستمر، في مدينة الطائف خلال فترة الاحتلال وذلك لإدارة شؤون البلاد والمواطنين في الداخل والخارج وتميزت هذه الفترة بأهمية الموضوعات التي كان يناقشها المجلس وحيويتها والسرعة والدقة في القرارات التي تم انجازها.

الجولات الخارجية

وقام سموه بجولة شملت سورية وتركيا والمغرب والجزائر وتونس خلال الفترة من 13 الى 23 اغسطس 1990، حيث سلم رسائل من سمو الأمير الراحل تتعلق بآخر المستجدات في ضوء العدوان على الكويت، كما زار ليبيا وعقد اجتماعات لشرح ابعاد قضية الكويت لشعوب تلك الدول وادلى بتصريحات شكر فيها الدول المؤيدة للكويت على مواقفها المؤيدة للحق والعدل، وابرز سمو الامير الوالد الراحل موقف الكويت وبشكل مستمر على انها ليست داعية حرب ولا تريد تعريض المنطقة للخطر، بل كل ما تطلبه هو تنفيذ قرارات القمة العربية وقرارات مجلس الأمن 660، 661، 662 وقرارات مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية التي تتفق جميعها على ضرورة انسحاب العراق فورا ودون اي شروط، وكان سموه يتابع بصفة شخصية ودائمة الاوضاع المعيشية الكريمة للمواطنين الكويتيين في الخارج سواء في الدول الخليجية او العربية وتأمين المعيشة للمواطنين في الداخل بهدف رفع الروح المعنوية والوقوف على المستجدات في الساحة الداخلية واحتياجات المواطنين وبيان مؤازرة الشعوب الشقيقة والصديقة لجانب الحق الكويتي.

كما حرص سموه على اللقاء المستمر والمباشر مع مواطني الكويت في كل دولة يزورها وذلك بهدف الاطمئنان على حياتهم وشرح الموقف السياسي والعسكري لهم ورفع روحهم المعنوية واطلاعهم على ان العالم الحر الشريف يقف معهم ويؤيد قضيتهم.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد